بين الحرب والتسوية: هل يقترب الاتفاق الأميركي الإيراني من الواقع؟

د. نورالدين خوشناو
باحث في شؤون الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية مكثفة قد تمهد لاتفاق مرحلي بين الولايات المتحدة وإيران، بعد فترة طويلة من التصعيد العسكري والسياسي الذي هدد أمن الخليج والاستقرار الإقليمي. ورغم استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين، فإن الحديث عن “مسودة اتفاق” تضم تسعة بنود يعكس وجود إرادة دولية لمنع توسع الحرب واحتواء الأزمة قبل خروجها عن السيطرة.
اللافت في هذه التطورات ليس فقط مضمون البنود المقترحة، بل طبيعة الوسطاء والأطراف المنخرطة في المفاوضات. فظهور باكستان بوصفها “الوسيط الرئيسي” يشير إلى تغير نسبي في أدوات إدارة الأزمات بالمنطقة، خصوصًا مع تراجع أدوار بعض القوى التقليدية وصعود قوى إقليمية تحاول لعب دور التوازن بين واشنطن وطهران. كما أن الحديث عن دور صيني داعم لهذه الوساطة يعكس تحولات أوسع في شكل النظام الدولي وتراجع الاحتكار الأميركي لإدارة ملفات الشرق الأوسط.
المسودة المتداولة تتضمن نقاطًا حساسة، أبرزها وقف شامل لإطلاق النار، وضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وعدم استهداف البنية التحتية العسكرية أو الاقتصادية، إضافة إلى بدء مفاوضات حول الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية.
ورغم أن هذه البنود تبدو منطقية على الورق، فإن التطبيق العملي سيواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين منذ سنوات. فالولايات المتحدة تطالب بتقييد البرنامج النووي الإيراني وتقليص النفوذ العسكري والإقليمي لطهران، بينما تصر إيران على رفع العقوبات والحفاظ على ما تعتبره “حقوقًا سيادية” في المجال النووي والأمني.
كما أن ملف مضيق هرمز يبقى العقدة الأخطر في أي تفاوض محتمل. فالمضيق لا يمثل فقط ممراً استراتيجياً للطاقة العالمية، بل أصبح أيضًا ورقة ضغط سياسية وأمنية تستخدمها إيران في مواجهة الغرب. ولهذا السبب شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على ضرورة وجود “خطة بديلة” في حال رفضت طهران إعادة فتح المضيق أو ضمان أمن الملاحة.
في المقابل، يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفضل، على الأقل في هذه المرحلة، الوصول إلى تسوية تفاوضية بدلاً من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد تكون مكلفة لجميع الأطراف، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية والتوترات المتزايدة في أكثر من جبهة دولية.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل نحن أمام اتفاق حقيقي طويل الأمد، أم مجرد هدنة مؤقتة لشراء الوقت وإعادة ترتيب الأوراق؟
في تقديرنا، هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تشهدها المرحلة المقبلة.
السيناريو الأول، وهو الأقرب للواقع حالياً، يتمثل في اتفاق مرحلي مؤقت يهدف إلى وقف التصعيد العسكري، وضمان أمن الملاحة، وتخفيف جزئي للعقوبات، مقابل قيود محددة على تخصيب اليورانيوم. إلا أن هذا النوع من الاتفاقات يبقى هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة سياسية أو أمنية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار التوتر دون الوصول إلى حرب شاملة، بحيث تستمر المفاوضات بالتوازي مع العقوبات والضغوط والهجمات المحدودة غير المباشرة. فالولايات المتحدة تسعى إلى احتواء إيران أكثر من إسقاط النظام، بينما تعتمد طهران على سياسة “الصبر الاستراتيجي” وكسب الوقت للحفاظ على نفوذها الإقليمي.
ويبقى السيناريو الثالث هو الأخطر، ويتمثل في انهيار المفاوضات وعودة التصعيد العسكري، خصوصاً إذا تصاعد الخلاف حول اليورانيوم عالي التخصيب أو إذا تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لتهديدات مباشرة. ففي هذه الحالة قد تتجه المنطقة نحو مواجهة أوسع تشمل أطرافاً إقليمية ودولية متعددة.
وفي رأينا، لا توجد اليوم إرادة حقيقية لحرب شاملة، لكن في الوقت نفسه لا توجد ثقة كافية لصناعة سلام دائم. ولهذا يبدو أن المنطقة تتجه نحو “تسوية مؤقتة” أكثر من اتفاق تاريخي شامل.
المرحلة القادمة لن تحدد فقط مستقبل العلاقة بين أميركا وإيران، بل قد تؤثر أيضاً على شكل التحالفات الجديدة في الشرق الأوسط، وعلى أمن الخليج، وأسعار الطاقة، وحتى على طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل تدريجياً بعد سنوات من الاضطراب العالمي.

Scandinavian Middle East Research Institute (SMERI)

قد يعجبك ايضا