نبيل عبد الأمير الربيعي
في تاريخ العراق الحديث، قلّما نجد شخصية أثارت الجدل مثل ، الرجل الذي عاش حياته كما لو أنها رواية مفتوحة على المغامرة والنساء والسياسة والأسفار.
كان رجلاً يصعب وضعه في قالب واحد؛ صحفياً ورحالاً وخطيباً وإذاعياً وعاشقاً ومقامراً ومتمرداً، حتى بدا وكأنه ولد ليعيش أكثر من حياة في عمر واحد.
اكتسب يونس بحري لقب (بحري) بعد مغامرته الشهيرة في عبور قناة المانش، حين تمكن من اجتيازها محققاً المركز الأول من دون تدريب مسبق، في حادثة عدها كثيرون أقرب إلى المعجزة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلته الكبرى مع العالم، فانطلق بلا مال تقريباً يجوب القارات، متنقلاً بين الشرق والغرب، من طهران إلى طوكيو، ومن الهند إلى باريس وبرلين وروما.

كان يحمل روح السندباد العراقي، لا يستقر في مدينة ولا يكتفي بلغة واحدة أو ثقافة واحدة. جمع خلال أسفاره جنسيات متعددة، وخاض تجارب إنسانية غريبة جعلته واحداً من أشهر الرحالة العرب في زمانه، حتى تحولت حياته إلى أرشيف هائل من القصص والحكايات والأساطير.
ولد يونس بحري الجبوري في مدينة الموصل عام 1900، ونشأ في بيئة بسيطة، لكنه أظهر منذ طفولته ذكاءً حاداً وذاكرة استثنائية وشخصية متمردة لا تستجيب بسهولة للقوانين.
كان سريع الحفظ، واسع الفضول، مولعاً بالمعرفة والمغامرة معاً، فجمع بين الدراسة والعمل الصحفي المبكر، وأتقن عدداً من اللغات الأجنبية، الأمر الذي فتح له أبواب العالم لاحقاً، وهيأه ليصبح رحالة استثنائياً يخترق الحدود والثقافات.
ربما لم يعرف العراق شخصية جمعت التناقضات كما فعل يونس بحري. ففي إندونيسيا، عمل مفتياً شرعياً نهاراً، بينما كان في الليل يتحول إلى راقص محترف في الملاهي.
وفي باريس، كان يؤم المصلين داخل المسجد، ثم يغادر بعد ساعات ليعزف العود ويرقص حتى الفجر في الحانات والمسارح.
هذا التناقض العجيب لم يكن بالنسبة له أزمة، بل أسلوب حياة. كان يرى أن الإنسان يستطيع أن يكون أكثر من شخص في الوقت نفسه، وأن الحياة أوسع من أن تختصر في صورة واحدة أو قناع واحد.
ارتبط اسم يونس بحري دائماً بحكايات النساء، حتى شاع أنه تزوج أكثر من 290 امرأة في بلدان مختلفة.
قد يبدو الرقم مبالغاً فيه، لكن المؤكد أن الرجل كان مولعاً بالحب، أو ربما مولعاً بفكرة المغامرة نفسها. كان يرى المرأة بوابة لاكتشاف المدن والثقافات والناس، ولذلك تحولت قصصه العاطفية إلى جزء من الأسطورة التي أحاطت به.

لم يكن عاشقاً تقليدياً، بل كان مفتوناً بالحياة بكل أشكالها؛ يهرب من الاستقرار كما يهرب البحار من الميناء الطويل، وكأن قلبه خلق للرحيل لا للإقامة.
نسج يونس بحري علاقات واسعة مع شخصيات سياسية بارزة، من بينها الملك، كما ارتبط اسمه بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، حين عمل في إذاعة برلين العربية التي كانت تبث الدعاية النازية للعالم العربي.
هناك أطلق عبارته الشهيرة: “هنا برلين… حيّ العرب”.
ويقال إنه أقنع القيادة الألمانية ببث تلاوات القرآن الكريم عبر الإذاعة لجذب المستمع العربي، فصار صوته واحداً من أشهر الأصوات العربية في تلك المرحلة المضطربة من التاريخ.
النهاية التراجيدية
لكن الحياة التي تبدأ صاخبة كثيراً ما تنتهي بصمت قاس.
فبعد سنوات من المجد والترحال وصداقة الملوك والزعماء، عاد السندباد العراقي إلى بغداد منهكاً ووحيداً.
وفي عام 1979 رحل يونس بحري فقيراً، بعيداً عن الأضواء التي ملأت حياته يوماً،