انقلاب تشريعي على المادة 140

صلاح بكر/ اربيل

عندما يتناقض القانون مع ذاته، ويلغي روحه بنصوصه، يصبح أداة للظلم بدلاً من أن يكون درعاً للعدالة. قانون رقم 3 لسنة 2025، الذي أطلق عليه “قانون إعادة العقارات الی اصحابها”، يمثل انقلاباً تشريعياً صارخاً على المادة 140 من الدستور العراقي، تلك المادة التي كانت بمثابة العهد الأساسي لإلغاء سياسات التغيير الديموغرافي التي فرضها النظام السابق على المناطق المتنازع عليها.

المادة 140 من الدستور العراقي لم تكن مجرد نص قانوني عابر، بل كانت وعداً تاريخياً للكورد والتركمان بأن الدولة ستعترف بالظلم الذي لحق بهم، وأن سياسات التغيير الديموغرافي والتهجير القسري ستلغى، وأن أراضيهم المسلوبة سترد إليهم. كانت المادة 140 بمثابة الضمانة الدستورية التي تقول: “لا مزيد من الظلم، لا مزيد من السرقة، لا مزيد من التغيير الديموغرافي”. لكن قانون رقم 3 جاء ليقول شيئاً مختلفاً تماماً.

عندما نقرأ نصوص هذا القانون ففي مطلعه نری فيه انصافا للحق والعدالة لكن الاستثناءات التي يحتويها، نجد أنه بدلاً من أن يعيد الحقوق إلى أصحابها بشكل شامل وعادل، فإنه يفتح أبواباً جديدة للاستيلاء على الأراضي تحت ستار قانوني. الاستثناءات المتعلقة بالأراضي المخصصة لوزارة النفط والدفاع والمؤسسات الحكومية الأخرى، تحول القانون من أداة لاسترجاع الحقوق إلى أداة لتكريس الظلم تحت غطاء قانوني جديد. فالكورد والتركمان، الذين انتظروا عقوداً لاسترجاع ممتلكاتهم، يجدون أنفسهم أمام قانون يحرمهم من أراضيهم مرة أخرى، لكن هذه المرة بموجب قانون جديد يدعي أنه يعيد الحقوق.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين هو الكورد والتركمان من تشريع هذا القانون؟ لماذا اعتبروا تشريعه انتصارا علی الظلم،الحقيقة المرة هي أن ممثليهم في البرلمان، رغم وجودهم، يفتقرون إلى القوة السياسية الكافية لوقف هذا الانقلاب التشريعي. فالتوازن السياسي في البرلمان العراقي لا يعطيهم القدرة على فرض إرادتهم، خاصة عندما تتحالف ضدهم قوى سياسية أخرى لديها مصالح في الحفاظ على هذه الاستثناءات. هذا الضعف السياسي يترجم إلى ضعف قانوني، وينتج عنه قوانين تخدم المصالح الضيقة على حساب الحقوق التاريخية.

إن هذا الانقلاب التشريعي على المادة 140 لا يعكس فقط فشلاً في تحقيق العدالة، بل يعكس نية مبيتة لتكريس الظلم تحت ستار قانوني جديد. فبدلاً من أن يكون القانون خطوة نحو الأمام في معالجة التغيير الديموغرافي، أصبح خطوة نحو الخلف، يعيد إنتاج نفس السياسات الظالمة بصيغة جديدة.

على ممثلي الكورد والتركمان تقديم مقترح قانوني لاجراء التعديل عليه واعادة اعتبار للمادة 140، بحيث يلغي جميع الاستثناءات التي تحرم الكورد والتركمان من حقوقهم. و أن يكون هذا المقترح واضحاً وحازماً: إعادة كاملة للأراضي إلى أصحابها الأصليين، دون استثناءات، وتحديد إطار زمني محدد لتنفيذ هذه الإعادة، مع ضمانات قانونية قوية تحمي هذه الحقوق من أي انتهاك مستقبلي.

نری ضرورة تفعيل دور المحكمة الاتحادية العليا للنظر في دستورية هذا القانون، والتأكد من توافقه مع المادة 140 والمبادئ الدستورية الأخرى. إن الحل الحقيقي لا يكمن في قوانين ناقصة أو استثناءات فضفاضة، بل في التزام حقيقي من الدولة بتطبيق الدستور بكل أمانة وشفافية، وفي إرادة سياسية قوية من ممثلي المكونات لفرض حقوقهم وعدم التنازل عنها تحت أي ذريعة.

قد يعجبك ايضا