ساكن الجدران /قصة قصيرة.

ماهين شيخاني

لم يبدأ الخوف بحادثة.
كان موجوداً دائماً…
مثل ظلٍّ قديم يسكن البيت قبل سكّانه،
ويعرف كيف يتمدّد بصمتٍ داخل الأرواح.
في طفولتي، كنت أستيقظ أحياناً في منتصف الليل على ضوءٍ خافت يتسرّب من أسفل باب غرفة أبي.
كنت أخرج حافي القدمين، أمشي بحذرٍ كأن الأرض نفسها نائمة، وأقترب من الباب نصف المفتوح.
هناك…
كان أبي سلو — سليمان — يجلس قرب المذياع.
ليس في غرفة الضيوف، ولا قرب النافذة، بل في الزاوية الأبعد عن الشارع، كأنه يختبئ حتى من الهواء.
كان يلفّ المذياع بقطعة قماشٍ سميكة، ويخفض الصوت حتى يصبح همساً متقطّعاً.
وحين يلمحني واقفاً عند الباب، كان يرفع إصبعه بسرعة:
— “ششش…”
ثم ينظر نحو الجدار قبل أن يقول بصوتٍ أخفض من أن يُسمع:
— “للجدران آذان.”
لم أفهم الجملة وقتها.
كنت ألتفت نحو الحائط الأبيض الطويل، وأحدّق فيه بخوفٍ طفولي، محاولاً أن أرى تلك الآذان المختبئة داخله.
كنت أتصور أن الجدران كائنات حيّة، تستمع إلينا في الليل، وتنقل أسرارنا إلى أحدٍ لا نراه.
وفي كل مرة كان أبي يطفئ المذياع فجأة عند سماع وقع أقدامٍ في الخارج، كنت أشعر أن البيت كله يحبس أنفاسه معنا.
كبرت…
لكن الجدران كبرت داخلي أيضاً.
في المدرسة، تعلّمنا الصمت قبل الحروف.
لم يكن علينا أن نخطئ كي نخاف.
كان يكفي أن نتكلم.
المعلم لا يصرخ كثيراً، لكن عينيه كانتا تكفيان لجعل الكلمات تعود إلى أفواهنا مذعورة.
وحين كنّا نضحك بصوتٍ مرتفع، كان أحدهم دائماً يقول:
— “اخفضوا أصواتكم.”
كأن الفرح نفسه تهمة.
عند أطراف البلدة، كانت الأسلاك الشائكة تشدّ الأرض إلى خوفٍ طويل.
لم نكن نقترب منها، لكننا كنا نشعر بها حول أعناقنا.
هناك، تتعلم العيون أن ترى دون أن تحدّق،
وتتعلم الأقدام أن تتراجع قبل أن يُطلب منها ذلك.
وفي البيت…
كان الخوف يدخل قبلنا.
أمي تتحدث بعينيها أكثر مما تتحدث بفمها.
وأبي لم يكن يرفع صوته حتى وهو يضحك.
كان يضحك كمن يعتذر.
ومع السنوات، صار الخوف أكثر ذكاءً.
لم نعد نخاف مما قد يحدث،
بل مما قد يُفهم.
صرنا نختار كلماتنا كما يختار السجين خطواته داخل زنزانة ضيقة.
حتى الصمت…
صار يحتاج إلى حذر.
واحدٌ اختفى لأنه كتب.
وآخر لأنه علّق صورة لم تُعجب أحداً.
ومنذ ذلك الوقت، صارت بيوتنا نظيفة من المعنى.
لا صور.
لا كتب ظاهرة.
لا أصوات مرتفعة.
كأننا نمحو آثارنا بأيدينا قبل أن يصل أحد.
ثم اختفى الجنّ من الحكايات.
لم تعد أمهاتنا تخيفنا بالعفاريت.
لم نعد بحاجة إليها.
صار الخوف أكثر واقعية من الخيال نفسه.
وفي ليلةٍ باردة، بعد سنوات طويلة، جلست وحدي في البيت القديم.
كان التيار الكهربائي مقطوعاً.
الصمت كثيفاً إلى درجة أنني كنت أسمع دقات قلبي بوضوح.
جلست في نفس الزاوية التي كان أبي يجلس فيها قرب المذياع.
دون أن أشعر، وجدت نفسي أخفض صوت الهاتف تلقائياً.
ثم التفتُّ نحو النافذة…
وأغلقتها.
تجمّدت يدي فجأة.
بقيت أحدّق في أصابعي المرتجفة.
لم يكن هناك أحد في الخارج.
لا جنود.
لا مخبرون.
لا خطوات.
ومع ذلك…
كنت أتصرف تماماً كأبي.
اقتربت من الجدار ببطء.
لمسته.
كان دافئاً.
دافئاً بشكلٍ مرعب.
ثم…
سمعته.
في البداية ظننته وهماً.
لكن الصوت كان واضحاً.
همسات.
عشرات الهمسات المختنقة تخرج من داخل الحائط.
أصواتٌ أعرفها.
صوت أبي.
صوت أمي.
صوت المعلم.
صوت الجيران.
كلهم يهمسون بالجملة نفسها:
— “للجدران آذان…”
تراجعت مذعوراً.
لكن الهمسات لم تتوقف.
كانت تخرج من الجدران…
ومن صدري أنا أيضاً.
عندها فقط فهمت الحقيقة التي أخفاها أبي طوال عمره.
لم تكن الجدران هي التي تسمعنا.
نحن الذين كنا نصنع لها الآذان.
ونزرعها داخلنا…
جيلاً بعد جيل.

قد يعجبك ايضا