السلام على من أتبع خطاك
أعترف
أنني
يوما سأمضي إلى حتفي…
لأعيد النجمة المعلقة على نافذة الفصول
والليل إلى وجع الذهول
وأنت… إلى همس القصائد…
وسأجمع… ذكرياتك المرسومة على حائط قلبي…
كلوحة…
وأنثر عطرها على وجهي
حتى تكون شاهدة على هزيمة المصائد
وأعترف
أنك شهيدتي وشاهدتي
وأميرة قلبي.
وضوء قصيدتي وقِبلة صلاتي…
وتربة أيامي! ولحن أغنيتي
فانوس دربي الطويل
حين يجن ليله في راحتي ويتيهُ…
في شعابه الزمان كله
وترعى في حقوله الخيول
وتيبست على شفاهي القبل
وتيبست على شفاهك القبل
وتهنا معا.
ضللت الطريق إلى عينيك
وسدّت بوجهي السبل
كان الطريق إليك محض خيال
وكنت أحث الخطى
يسبقني الظل والظلال
تربكني… حين أصعد الجلجبة الأولى..
ضحكة المطر
أمضي إليك والظلام… بعباءته يلف روحي
تتبعني…
ايائل صمتك والقمر
أخشى عليك أن يقيم الحزن في عينيك
وأن… أموت دون أن ترى وجهك قصيدتي
وننام تحت جفنيك متعبة… جفوني
وأخشي
إن لم تمطر السماء قبلا على شفتيك
ينتشر على جسدي النعاس
وتحلم…
أمامي دمعة لم تسلها عيوني
ولأنك… عيوني التي أرى بها الله
وقلبي
الذي ينبض خشوعا لحبك
وهو يرى صورتك معلقة بحائط مبكاه
يا وجعا
غير الوقت مسراه
ورمى
بحضن النهر شباكه
وعانق…
الليل مجراه…
ألقى
على الناس السلام
كان الناس نيام
والقمر ساهر بكبد السماء
والقلب
يلفه وجه الظلام
قالت الأرض
قيام
فقام…
الكون كله راحتيك
وانحنى…
سحرا في عينيك
فأمتلأت…
سماء بموسيقى القلب
لا قُبَل
بلا شفتيك
ولامطر يهطل من غيمة خدّيكِ
إلا مطريز
فلا وجه يضيء السماء لي
إلا وجهك
فإنما
أولى وجهي
إيمم…
نحو وجهك وجهي…
عبد الجبار الجبوري
مقاربة تأويلية مقارنة في قصيدة “السلام على من أتبع خطاك” (1)
للشاعر عبدالجبار الجبوري
شَمال آكريي *
مِيتافيزيقيا النص وبنية الحلول الكوني
تتجاوز قصيدة الشاعر عبد الجبار الجبوري كونها مجرد دفق شعوري وجداني، لترتقي إلى مصاف النصوص البنائية المعقدة التي تتشابك فيها الرؤيا مع الأداة. فهي نصٌّ يقوم جوهريا على استراتيجية “وحدة التضاد “Unity of Opposites، حيث تتماهى الثنائيات الضدية (الموت/ الحياة، العتمة/ الضياء، الأرض/ السماء) في بوتقة واحدة لتوليد دلالة جديدة تتجاوز التناقض السطحي نحو التناغم الكوني.
إن الميزة المركزية في هذا النص تكمن فيما يمكن تسميته بـ “قداسة الحلول”؛ حيث لا تقف المحبوبة عند حدود الكائن البشري العابر، بل تتحول عبر سيرورة النص إلى “مركز ثقل كوني” وقبلة وجودية تُنظم حولها حركة الأفلاك وتجليات الطبيعة. هذا “الحلول” يمنح القصيدة صبغة صوفية حداثية، تجعل من الذات الإنسانية مرآة للمطلق.
تعتمد هذه القراءة على المنهج “التأويلي البنيوي”Structural-Hermeneutics؛ فهي بنيوية من حيث اهتمامها بالعلاقات الداخلية بين عناصر النص وتفكيك مقاطعه كبنى صغرى تؤسس للمعنى الكلي، وهي تأويلية من حيث سعيها لاستنطاق المسكوت عنه خلف الاستعارات. وما يعزز شمولية هذه القراءة هو توظيف “الأدب المقارن” كأداة كاشفة، عبر استحضار نماذج من الشعر الإنجليزي (من الرومانسية إلى الميتافيزيقيا والحداثة)؛ ليس من باب المحاكاة، بل لإثبات وحدة “المثال الشعري الأعلى” وتجذر التجربة الإنسانية في الوجدان العالمي، حيث تتقاطع رؤى الجبوري مع فحول الشعر الإنجليزي في قضايا الفناء، والتقديس، والارتقاء الروحي. لذا ارتأيتُ اختيارَ ستةِ مقاطعَ من النصّ، لتسليطِ الضوءِ على أوجهِ المقارنة فيها.
1- المقطع الأول: طقس الاعتراف والاستعادة
“أعترف
أنني
يوما سأمضي إلى حتفي…
لأعيد النجمة المعلقة على نافذة الفصول…
والليل الى وجع الذهول
وأنتِ إلى همس القصائد”
يبدأ الشاعر باعتراف “وجودي” يربط فيه بين الموت (الحتف) وفعل الاستعادة. البنية هنا دائرية؛ الموت ليس نهاية، بل هو ثمن لإعادة ترتيب الكون (النجوم، الليل، الفصول). المحبوبة هنا هي “المبتدأ” الذي يجب أن يعود إلى “الخبر” (القصائد).
– فلسفة المبتدأ والخبر (العلاقة الوجودية)
في النحو، المبتدأ هو الكيان الذي نبدأ به الكلام، هو الأصل الذي لا يستقيم المعنى بدونه. أما الخبر فهو الذي يمنح المبتدأ كينونته، هو الإخبار عنه، وهو النتيجة التي تكتمل بها الجملة.
المحبوبة هي “المبتدأ”: هي جوهر النص، هي الوجود الخام، هي “الكلمة الأولى” في حياة الشاعر. لكنها في بداية القصيدة تبدو وكأنها “مبتدأ بلا خبر”، أي أنها موجودة ولكنها مشتتة أو تائهة في صمت العالم.
القصيدة هي “الخبر”: لكي تتحقق “رُقي” أو “قداسة” هذه المحبوبة، يجب أن تُقال، يجب أن تتحول إلى “قصيدة”. القصيدة هنا هي الحالة التي تُعرّف المحبوبة وتمنحها الخلود.
– الموت كأداة “ربط” نحوية ووجودية
يقول الشاعر: “أعترف أنني يوما سأمضي إلى حتفي… لأعيد… وأنتِ إلى همس القصائد”.
هنا تظهر “المفارقة البنيوية”:
الشاعر يرى أن العالم في حالة فوضى (النجمة معلقة، الليل في وجع، المحبوبة بعيدة عن القصيدة).
[5/21/2026 1:24 PM] جواد كاظم: هناك “انفصال” بين المبتدأ (المحبوبة) وخبرها (القصيدة).
فعل الموت (الحتم): ليس فناء، بل هو “حرف الربط” أو التضحية الضرورية لإتمام الجملة الوجودية. الشاعر يموت ليعيد ترتيب الكون، ليعيد “المبتدأ” إلى مكان استقراره النهائي وهو “الخبر/القصيدة”.
– المعنى التأويلي للاستعادة
عندما يقول الشاعر “لأعيد”، فهو يفترض أن الحالة الأصلية كانت هي الاتساق، وأن الحياة اليومية هي التي شتتت هذا التلاحم.
المبتدأ (أنتِ): كينونة مهددة بالنسيان أو الضياع في صخب العالم.
الخبر (همس القصائد): هو الملاذ الأبدي، هو “الحكم” النهائي عليها بالخلود.
باختصار: الشاعر يمارس دور “النحوي الوجودي”؛ فهو يرى أن حياته هي الثمن لربط المبتدأ بخبره، لكي لا تبقى المحبوبة مجرد “اسم” عابر، بل لتصبح “معنى” مكتمل الأركان داخل نص لا يموت.
في النقد الحديث هذه الفكرة تشبه ما يسمى “التعالي النصي”؛ حيث لا يكتمل وجود الكائن إلا عندما يتحول إلى نص. الشاعر هنا يضحي بـ “الجسد” (الحتم) ليرفع المحبوبة إلى رتبة “اللغة الخالدة”.
لو قارنا هذا المقطع بقصيدة (أنشودة إلى بلبل Ode to a Nightingale) الشهيرة في الأدب الإنجليزي للشاعر John Keats (1795–1821)، نجد أن روح النص لدى الشاعر عبد الجبار الجبوري تتقاطع مع رؤية كيتس؛ إذ يتجلّى الموت عند كيتس كوسيلة للانصهار في الجمال الأبدي. كما أن هذه القصيدة تُعد من أبرز قصائد ديوانه الشعري “Odes” الذي يضم أشهر أعماله الرومانسية.

وجه المقارنة:
“I have been half in love with easeful Death…
To cease upon the midnight with no pain”.
“لقد كنتُ، لزمن طويل، نِصفَ هائم بحُبِّ الموتِ الوادع.
أن أتلاشى في سكونِ منتصف الليلِ بلا ألم.”
فكلا الشاعرين يريان في الموت ليس بوصفه خسارة، بل بوصفه انتقالا مُتعاليا transcendental transitionللحفاظ على كينونة الجمال والفن.
2- المقطع الثاني: الميتافيزيقيا وتأليه المحبوبة
“أنك شهيدتي وشاهدتي
وأميرة قلبي… وضوء قصيدتي وقِبلة صلاتي…
وتربة أيامي!”
تتجلى قراءة تأويلية عميقة تقوم على انتقال الشاعر من الإحساس بالزمن إلى تشييد فضاء مكاني ذي طابع قدسي. إذ تتحول المحبوبة من مجرد حضور عاطفي إلى مركز وجودي يُعاد عبره تشكيل العالم. فالشاعر يوظّف معجما صوفيا مكثفا (القبلة، الصلاة، الشهيدة، التربة) ليمنح هذا الحضور بعدا روحانيا، يجعل المحبوبة أقرب إلى رمز للمطلق أو المقدّس.
بهذا التحول، لا تعود العلاقة علاقة حب تقليدية، بل تصبح نوعا من التقديس الوجداني؛ حيث تُختزل الجهات كلها فيها (قبلة)، وتغدو ملاذا روحيا (صلاة)، وشاهدة على الوجود والمعاناة (شهيدة/شاهدة). كما أن الجمع بين “تربة أيامي” و”ضوء قصيدتي” يخلق ثنائية الأرض/السماء، أو المادة/الروح، فيتبدى أن المحبوبة هي أصل الوجود ومآله في آن واحد.
وعليه، فإن الشاعر لا يكتفي بوصف محبوبته، بل يعيد تشكيلها ككيان كليّ: هي الجذر (الأرض) وهي الإشراق (النور)، مما يجعل وجوده مرتبطا بها ارتباطا وجوديا لا يمكن الفكاك منه.
في المقارنة مع الشاعر John Donne (1572–1631)، ولا سيما في قصيدته (التطويب The Canonization)،نلاحظ أن دون يعمد إلى الارتقاء بالحب من مستوى التجربة الجسدية إلى أفق روحي ذي طابع ديني. فهو يصوّر العاشقين وكأنهما يبلغان مرتبة القداسة، إذ يتحول الحب إلى طقس تعبّدي، وتغدو المحبوبة أشبه بـ”قديسة” أو “مزار” روحي.
وتندرج هذه القصيدة ضمن ديوانه المعروف بعنوان “Poems”، الذي يضم أبرز أعماله في الشعر الميتافيزيقي، حيث يمتزج الحب بالفكر الديني والفلسفي في بنية شعرية عميقة.
وجه المقارنة:
“We can die by it, if not live by love…
And by these hymns, all shall approve Uscanonized for Love.”
“بمقدورنا أن نموتَ بالحبِّ، إنْ عزَّت علينا الحياةُ بهِ…
وبفضلِ هذه الترانيم، سيُقرُّ الجميعُ بتطويبنا (قدّيسين) في محرابِ الحبّ.”
هنا يبرز التحول البنيوي للحب من مجرد عاطفة بشرية إلى طقس ديني متكامل، حيث تتحول (المحبوبة/الذات الأخرى) إلى ‘قديسة’ أو ‘ضريح’ مقدّس يُتعبد في حضرته.
فهذا المقطع من قصيدة “The Canonization” يمثل الذروة التي التقى فيها الشاعر الإنجليزي بالشاعر عبد الجبار الجبوري في مفهوم “عقدة التقديس”:
اللغة الشعائرية: استخدم “دون” مفردات (Hymns/ترانيم، Canonized/ تطويب وقديسين)تماما كما استخدم الجبوري (قِبلة صلاتي، خشوعا، حائط مبكاه).
الموت الفدائي: عند “دون”، الموت بالحب هو وسيلة لنيل “القداسة”، وعند الجبوري، الموت (الحتف) هو الثمن “لإعادة النجمة” وتثبيت أركان الكون حول وجه المحبوبة.
كلاهما ينقل التجربة من حيّز الجسد الفاني إلى حيّز الروح الخالدة التي تصبح مرجعا للآخرين (“سيُقر الجميع” عند دون، و”تكون شاهدة” عند الجبوري). بهذا المعنى، يصبح الحب في كلا النصين “دينا” له طقوسه، صلواته، وشهداؤه.
3- في المقطع الثالث: رحلة “الجلجبة” والضياع
“تربكني… حين أصعد الجلجبة الأولى…
ضحكة المطر
أمضي إليك والظلام..
بعباءته يلف روحي”
تتأسس القراءة التأويلية على حضور رمز الجلجثة Golgotha (1)، الذي يحيل إلى طريق الآلام والفداء، مما يمنح التجربة العاطفية بُعدا تراجيديا. فالحب هنا لا يُقدَّم كحالة انسجام، بل كمسار شاق يتطلب صعودا ومعاناة، وكأن العاشق يعيد تمثيل رحلة الألم في سبيل بلوغ المعنى أو الخلاص.
وتتجلى البنية الدرامية للنص عبر تقابل ثنائيات متوترة: (ضحكة المطر) التي توحي بالحياة والتجدد والانفتاح، في مقابل (الظلام/عباءته) الذي يرمز إلى الاحتواء والخوف والانغلاق. هذا الصراع لا يُحسم، بل يظل مفتوحا، مما يعكس حالة التمزق الداخلي التي يعيشها الشاعر. وعليه، يتحول الحب إلى تجربة وجودية مركبة، قائمة على التوتر بين الأمل والمعاناة؛ فهو في آن واحد وعد بالخلاص (المطر/الضحك) وطريق للفداء (الجلجثة/الظلام)، مما يجعل الوصول إلى المحبوبة فعلا يتطلب التضحية والصعود عبر الألم.
في المقارنة مع الشاعر ت.س. اليوت T. S. Eliot (1888–1965)، ولا سيما في قصيدته( أرض اليباب The Waste Land)، تتجلى بنية مشابهة تقوم على رحلة البحث عن الخلاص وسط العتمة والجفاف الروحي. فكما يحضر رمز الجلجثة في النص العربي بوصفه طريقا للألم والفداء، يستثمر إليوت نماذج مسيحية رمزية ليعبّر عن معاناة الروح في سعيها نحو الانبعاث والتجدد.
وتقوم المقارنة على أن كِلا النصين يوظفان رموزا دينية (مثل الجلجثة) لتجسيد رحلة داخلية مشحونة بالألم، حيث يتحول العذاب إلى شرط ضروري لبلوغ الخلاص، سواء أكان روحيا أم عاطفيا.
وتندرج هذه القصيدة ضمن ديوانه المعروف بعنوان “Poems 1909–1925″، الذي يضم أبرز أعماله الحداثية، ومنها هذه الملحمة الشعرية التي تمثل علامة فارقة في الأدب الإنجليزي الحديث.
“He who was living is now dead
We who were living are now dying
With a little patience.”
“ذاكَ الذي كان يحيا قد مات الآن
ونحنُ الذين كنا نحيا نموتُ الآن
بقليل من الصبر.”
إذا قمنا بتحليل بنيوي، فسنرى إنّ عبارة “توظيف النماذج البدئية المسيحية (مثل الجلجبة)(2) لتمثيل عذاب رحلة الروح نحو الانبعاث الروحي أو العاطفي” تعني باللغة النقدية الآتي:
الجلجبة Golgotha: ليست مجرد موقع جغرافي تاريخي (موضع الصلب)، بل هي في الأدب “رمز للابتلاء” الذي يسبق الخلاص. هي المكان الذي تبلغ فيه المعاناة ذروتها لتنتهي بالانبعاث أو التحول.
عذاب الروح: يرى إليوت والجبوري أن “الأنا” لا يمكن أن تتطهر أو تسمو إلا إذا عبرت في “طريق الآلام “Via Dolorosa الموت هنا ليس عدما، بل هو مرحلة انتقالية ضرورية للتخلص من “الذات العتيقة” والوصول إلى “الذات الجديدة” التي ترتبط بالمعشوق (أو بالخلاص الروحي).
لذا نرى أنَ وجه التقاطع البنيوي مع نص الجبوري يتجلى في: “تربكني… حين أصعد الجلجبة الأولى”، فإنه يستدعي هذا النموذج البدئي ليضع قصيدته في سياق الملحمة الروحية.
في نص إليوت: الموت هو “موت روحي” في عالم يباب (خال من المعنى)، والرحلة هي بحث يائس عن معنى في حطام العالم.
في نص الجبوري: الموت (أو الجلجلة) هو فعل اختيار، وليس قدرا مأساويا. الشاعر يصعد “الجلجلة” متطوعا لأجل الحب.
الفرق الجوهري: عند إليوت، الصعود للجلجبة يؤدي إلى “موت العالم”. أما عند الجبوري، فالصعود هو “قربان” لأجل “مطر الشفتين” و”قيامة الكون” بلقاء المحبوبة.
هنا نلاحظ أن كلا الشاعرين يستخدمان “النموذج البدئي للصلب” (الجلجلة) كبنية تحتية للنص، لكنهما يختلفان في الغاية؛ إليوت يستخدمه ليشرح “فقدان المعنى”، بينما يستخدمه الجبوري ليشرح “توليد المعنى” من خلال الألم والتضحية.
4- المقطع الرابع: ثنائية الرؤية والخشوع
“لأنك… عيوني التي أرى بها الله
وقلبي
الذي ينبض خشوعا لحبك”
تصل البنية التأويلية هنا إلى ذروتها؛ فالمحبوبة ليست “موضوعا” للرؤية، بل هي “الأداة” التي يرى بها الخالق. فهذا “الحلول” البنيوي يلغي المسافة بين العابد (الشاعر)، والمعبود (المحبوبة)، والمطلق (الله).
المقارنة الإنجليزية: ويليام ووردزورث William Wordsworth
في قصيدته (دَير تينترن Tintern Abbey)، يتحدث عن “العين الساكنة” التي ترى جوهر الأشياء والحضور الإلهي في الطبيعة.
وجه المقارنة:
“With an eye made quiet by the power
Of harmony, and the deep power of joy,
We see into the life of things.”
“بعين جعلتها القوةُ ساكنة،
قوةُ التناغم، والقوةُ العميقة للبهجة،
نرى إلى جوهرِ حياةِ الأشياء.”
مفهوم “الرؤية الإلهية “The Divine Gaze، حيث تصبح المحبوبة (أو الطبيعة) هي العدسة التي يٌرى من خلالها الشاعر الحقيقة المطلقة. إنّ ما يطرحه وردزورث هنا ليس مجرد “رؤية” بالعين المجردة، بل هو ما نسميه في النقد “بصيرة القلب” Insight . إليك تفكيك هذا المفهوم وكيف يتطابق مع نص الجبوري:
أولا: سكون العين The Quiet Eye كشرط للرؤية
حيث يؤمن وردزورث (وكذلك الجبوري في قصيدته) بأن الإنسان العادي لا يرى الحقيقة لأن “عينه” مشتتة بضجيج الحياة.
فالأمر عند وردزورث يتطلب “سكونا”Quiet ليتحوّل العالم من مادة صماء إلى كينونة حية Life of things.
ونجد هذا السكون عند الجبوري في قوله: “لأنك… عيوني التي أرى بها الله”. الشاعر هنا “أغمض” عينه عن العالم المادي ليفتحها في عين المحبوبة، محققا بذلك حالة “التناغم” التي تحدث عنها وردزورث.
ثانيا: المحبوبة كـ “عدسة “The Lens
في العادة، ننظر إلى المحبوبة، لكن في المفهوم الذي نتداوله الآن، ننظر من خلالها.
بالأساس العدسة هي الوسيط الذي يكسر الضوء ليُظهر الحقيقة. الجبوري لا يرى الله في الفراغ، بل يرى “انعكاس” تجليات الله في قسمات المحبوبة أو في “حائط مبكاها” أو في “نهر” حضورها. هذا يعني أن المحبوبة تحولت من “موضوع “Object إلى “أداة إبستمولوجيةEpistemological Tool ” للمعرفة.
ثالثا: الحقيقة المطلقة Ultimate Truth
إن “الحقيقة المطلقة” التي يشير إليها وردزورث هي “وحدة الوجود”؛ أي أن كل شيء في الكون مترابط. وعندما يربط الجبوري بين “عين المحبوبة” و”رؤية الله”، فهو يعلن أن هذا الحب هو “المعبر” الوحيد للمطلق.
5- المقطع الخامس: انبعاث الكون
“قالت الأرض
قيام
فقام…
الكون كله راحتيك
وانحنى…
سحره في عينيك”
عندما نقرا هذا المقطع تاويليا تتحول القصيدة إلى “سفر تكوين” جديد. نداء الأرض بـ “قيام” هو إعلان عن قيامة كونيّة محركها الأساسي هو “المحبوبة”. البنية هنا “شمولية”، حيث ينحني الكون (الماكروكوزم) أمام تفاصيل المحبوبة (الميكروكوزم).
المقارنة الإنجليزية: ويليام بليك William Blake
في قصائده الرؤيوية، يرى بليك في قصيدته (بشائر البراءةAuguries of Innocence) الكون كله في “حبة رمل”.
وجه المقارنة:
“To see a World in a Grain of Sand
And a Heaven in a Wild Flower
Hold Infinity in the palm of your hand.”
“أن ترى العالمَ في حبةِ رمل،
وأن ترى الجنةَ في زهرة برية،
وأن تُمسِكَ اللانهايةَ في كفِّ يدك.”
هذا المقطع يجسد فلسفة “الميكروكوزم “Microcosm و “الماكروكوزم “Macrocosm؛ أي أن الكون الكبير (الماكروكوزم) ينعكس ويتجلى بوضوح في أصغر ذرات الوجود (الميكروكوزم).
أن المركزية الفردية التي يتراءى لنا، لا تعني أن الفرد هو “مركز” الكون بالمعنى المادي، بل تعني أن “وعي” الفرد هو النقطة التي يتكثف فيها الكون. عندما تتنور البصيرة الروحية، يختفي الفرق بين “الداخل” (الذات) و”الخارج” (الكون).
فالوجود هنا ليس صامتا؛ بل هو كائن حي يتفاعل مع “اليقظة الروحية”. عندما تصل الروح إلى حالة من الصفاء (كما في “عين وردزورث الساكنة” أو “رؤية بليك”), يصبح بإمكان هذه الروح أن تحتوي اللانهاية. حيث يصل الجبوري في هذا المقطع من قصيدته إلى ذروة هذه الفلسفة البليكوية.
فكما يمسك بليك “اللانهاية” في كفه، يمسك الجبوري “الكون كله” في “راحتَي” المحبوبة. لم تعد المحبوبة كيانا منفصلا عن الكون، بل أصبحت هي الوعاء الذي يحتوي الكون بأسره.
في المقطع لا تتحرك الأرض من تلقاء نفسها، بل تستجيب لنداء المحبوبة (“قالت الأرض قيام”). هذا يعني أن الوجود المادي (الأرض/الكون) خاضع لسلطة الروح (المحبوبة).
فإذا كان بليك يرى الجنة في “زهرة برية”، فإن الجبوري يرى “موسيقى القلب” والقيامة في “عينين”. كلاهما يعيد تعريف “المقدس”؛ فهو ليس في السماء البعيدة، بل في أقرب الأشياء إلينا (الراحة، العين، الزهرة، الرمل).
إن المركزية الكونية عند الجبوري هي “مركزية عاطفية”؛ حيث تنكمش مساحات الكون الشاسعة لتستقر في مساحة دقيقة: “راحتيك” و”عينيك”. وبذلك، تتحول المحبوبة من مجرد امرأة إلى “محور دوران الوجود”، والقصيدة هنا ليست وصفا لامرأة، بل هي “نشيدٌ للكون” الذي استيقظ على وقع حركة هذا الكائن.
نلاحظ هنا أن “المكان” تحوّل في القصيدة من “طريق للجلجلة” (مكان ألم) إلى “راحتين” (مكان خلق واحتواء)؟ هذا الانتقال البنيوي هو بالضبط ما يعنيه بليك بـ “حمل اللانهاية في كف اليد”.
6. المقطع السادس: القِبلة النهائية (الخاتمة)
” فلا وجه يضيء السماء لي
إلا وجهك
فإنما
أولى وجهي
إيمم…
نحو وجهك وجهي…”
القراءة التأويلية:
ينتهي النص بقرار “التوجه”. استخدام مفردات (أولي، إيمم) يحيلنا مباشرة إلى آيات التوجه في الصلاة. بنيويا، تم اختصار العالم كله في “الوجه”، ليصبح هو المشرق والمغرب، وهو المنتهى الذي تتوقف عنده حركة الشاعر.
المقارنة الإنجليزية: لورد بايرون Lord Byron
في قصيدته الشهيرة (هي تمشي في غمار الجمال She Walks in Beauty)، يركز على الوجه كمصدر وحيد للضوء والانسجام الكوني.
وجه المقارنة:
“And all that’s best of dark and bright
Meet in her aspect and her eyes.”
الترجمة:
“وكلُّ ما في الظلامِ والضياءِ من حُسن
يلتقيانِ في محياها وفي عينيها.”
هناك مطلق جمالي The Aesthetic Absolute في هذه المقارنة حيث أن مفهوم المطلق الجمالي هو اللحظة التي يتوقف فيها الجمال عن كونه “صفة” لنبدأ بإدراكه كـ “جوهر”.
عندما يقول بايرون إن الظلام والضوء يلتقيان في ملامح محبوبته، فهو يلغي التناقض بينهما. لم يعد الظلام شيئا والضوء شيئا آخر؛ بل أصبحا في وجه المحبوبة وحدة واحدة. وهذا المفهوم يخدم القراءة البنيوية لنص الجبوري في “خاتمة الرحلة”. فقصيدة الجبوري هي نص “توحدي” بامتياز، ينتقل من الأنا المعترفة إلى الكون المنحني، ليثبت حقيقة واحدة: أن الحب في أقصى تجلياته هو فعل عبادة وتصالح مع الوجود.
الهوامش:
(1): (1): القصيدة منشورة في العدد (149) الصادر في 24 نيسان من صحيفة صحيفة أوروك. (2): الجلجلة هي التعريب العربي لكلمة Golgotha، وتحمل المعنى نفسه تقريبا، أي “موضع الجمجمة” أو “مكان الجماجم”.
*: شَمال آكرَيي، شاعر وصحافي ومترجم من وإلى اللغات العربية والكردية والإنكليزية. يرأس تحرير مجلة «متين» الثقافية الشهرية العامة، الصادرة في دهوك عن مركز خاني للثقافة والإعلام.
المصادر والمراجع:
– أدونيس (علي أحمد سعيد): الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت. (لفهم تحولات الرمز والقديس في الشعر العربي الحديث).
– جابر عصفور: آفاق العصر، دار سعاد الصباح، الكويت. (حول البنيوية والتأويل في النقد العربي المعاصر).
– محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار العودة، بيروت. (لتأصيل أسس المقارنة بين النص العربي والنصوص الأجنبية).
– رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، دار الفكر. (لاستخلاص أدوات التفكيك البنيوي).
– Abrams, M. H.: The Mirror and the Lamp: Romantic Theory and the Critical Tradition. Oxford University Press.
– Donne, John: The Complete English Poems. Penguin Classics.
– Eliot, T. S.: Selected Essays, 1917–1932. Harcourt, Brace.
– Keats, John: The Major Works. Oxford World’s Classics.