نوري جاسم .
الحمد لله الذي جعل مع العسر يُسرًا، ومع الضيق فرجًا، ومع البلاء رحمةً خفية، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الذي علّم الأمة الصبر واليقين وحسن الظن بالله.
الفرج في معناه الإيماني والقرآني ليس مجرد انتهاء أزمة أو زوال ضيق، بل هو سنّة إلهية ثابتة تؤكد أن الشدة لا تدوم، وأن أبواب الرحمة تبقى مفتوحة مهما اشتد البلاء. وقد جاء القرآن الكريم ليغرس هذا المعنى في قلب المؤمن ويجعله قاعدة في التعامل مع الحياة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6)، وفي هذا التكرار تأكيد أن اليسر ملازم للعسر، وأن الفرج ليس بعيدًا عن قلب الشدة، بل متداخل معها. وقال سبحانه: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق: 7)، وهو وعدٌ صريح بأن الأحوال تتبدل، وأن يد الله تغيّر الواقع من ضيق إلى سعة. ومن أعظم معاني الرجاء قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: 62)، حيث يبيّن أن باب الفرج يُفتح حين تنقطع الأسباب ويصدق اللجوء إلى الله. وفي السنة النبوية جاء التأكيد العملي لهذا المعنى، فقال رسول الله ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً»، وفي هذا الحديث ربطٌ مباشر بين الصبر والفرج، وبين الكرب والانفراج، وكأن الفرج يولد من رحم الشدة. كما قال ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب»، وهو بيان أن الفرج له أسباب روحية، أهمها الرجوع إلى الله والاستغفار وحسن التوكل. وقد عبّر الصالحون والعلماء عن هذا المعنى بعبارات نورانية؛ فقال ابن عطاء الله السكندري: “ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول، وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول”، وهو إشارة إلى أن تدبير الله كله يقود إلى الخير والفرج وإن خفيت الحكمة. وقال بعض العارفين: “إذا اشتدت الحلقة، اقترب الفرج”، أي أن أقصى الضيق قد يكون علامة قرب الانفراج. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله في معنى الرضا والصبر: أن الأيام تتقلب، وأن الفرج يأتي مع حسن التسليم للقضاء.
وتتجلى سنّة الفرج بوضوح في قصص الأنبياء عليهم السلام؛ فنوح عليه السلام نُجّي من الطوفان بعد طول دعاء وصبر، ويوسف عليه السلام خرج من الجب والسجن إلى التمكين والملك، وموسى عليه السلام انشق له البحر في لحظة الخطر، وأيوب عليه السلام رُفع عنه البلاء بعد صبرٍ عظيم، لتبقى هذه القصص شاهدة أن الشدة مهما طالت فإن نهايتها الفرج بإذن الله.
وفي المعنى الروحي العميق، فإن الفرج ليس دائمًا تغييرًا في الخارج فقط، بل قد يكون تبدّلًا في الداخل؛ حين يطمئن القلب، ويهدأ القلق، ويرى الإنسان حكمة الابتلاء، فيشعر بالراحة رغم بقاء الظروف. وهكذا يصبح الفرج حالة نورٍ داخلي قبل أن يكون حدثًا خارجيًا. وفي الختام، يبقى الفرج وعدًا إلهيًا لا يتخلف، وسنّةً ربانية لا تتبدل، لأن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون، ولكنه يربّي عباده على الصبر قبل العطاء، وعلى اليقين قبل الانفراج. فكل شدة تحمل في داخلها بذرة فرج، وكل ليل يحمل فجرًا، وكل ضيق يحمل معه رحمة قادمة لا محالة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..