كاتدرائية مار توما في الموصل.. رحلة إلى ذاكرة الروح العراقية

نبيل عبد الأمير الربيعي

في رحلة امتزجت فيها الروحانية بعبق التاريخ، نظم گروب شركة التكاتم السياحي سفرة سياحية ثقافية انطلقت من مدينة الحلة باتجاه مدينة دهوك مروراً بمعبد لالش الإيزيدي ومن ثم الموصل الحدباء.
كانت الزيارة لكاتدرائية مار توما التاريخية، إحدى أقدم وأهم الكنائس المسيحية في العراق، والتي تمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الحضارية والإنسانية لمدينة عرفت عبر تاريخها الطويل بأنها مدينة التنوع والتآخي.
بدأت الرحلة تحمل معها شغف المشاركين لاكتشاف معالم الموصل القديمة، تلك المدينة التي قاومت الحروب والخراب، ونجحت في استعادة جزء من روحها التي حاولت السنوات العصيبة أن تطفئ نورها. وبين الأحاديث والضحكات وتبادل القصص على الطريق، كانت الكاتدرائية تقترب شيئاً فشيئاً بين ازقة المدينة، ومعها تقترب لحظة اللقاء بمكان يحمل من القداسة والجمال ما يتجاوز حدود الحجر والبناء.

وعندما وصل الوفد إلى كاتدرائية مار توما، شعر الجميع أنهم أمام صفحة مفتوحة من تاريخ العراق المسيحي العريق. فالكاتدرائية، التي يعود تاريخها إلى قرون طويلة، لم تكن مجرد مكان للعبادة، بل كانت شاهدة على مراحل تاريخية عديدة مرت بها المدينة، وعلى تعايش أهلها بمختلف أديانهم وقومياتهم.
تقع الكنيسة في الجانب الأيمن من مدينة الموصل القديمة، وتتميز بطرازها المعماري الشرقي البسيط والمهيب في آن واحد، حيث تمتزج الأقواس الحجرية القديمة بالزخارف الروحية التي تمنح المكان سكينة خاصة. وبين جدرانها التي احتفظت برائحة التاريخ، وقف الزائرون يتأملون كيف استطاع هذا المكان أن ينهض من جديد رغم ما تعرض له من أضرار خلال سنوات العنف لعناصر داعش الإرهابي.
لقد كانت لحظات الصمت داخل الكاتدرائية أبلغ من أي حديث، فالمكان يحمل هيبة روحية عميقة، وكأن الجدران تهمس للزائرين بحكايات المؤمنين الذين مروا من هنا، وصلوات الأمهات، وأجراس الأعياد، وذكريات مدينة لم تتخل يوماً عن إنسانيتها رغم كل الجراح.
وكان للمصور الفوتوغرافي المبدع عماد الزبيدي حضور لافت في هذه الرحلة، حيث وثق بعدسته تفاصيل الزيارة والمشاهد الإنسانية والمعمارية التي ميزت المكان. فقد تنقل بعين الفنان بين الزوايا القديمة، ملتقطاً صوراً اختزلت جمال الضوء المنعكس على الأحجار العتيقة، وتعابير الدهشة والتأمل على وجوه المشاركين. ولم تكن صوره مجرد توثيق عابر، بل محاولة لحفظ الذاكرة وإعادة تقديم الموصل بصورة تليق بتاريخها وجمالها الحقيقي.
كما حرص أعضاء المجموعة على التجول في أزقة الموصل القديمة المحيطة بالكاتدرائية، حيث البيوت التراثية والأسواق الشعبية وروائح القهوة والخبز التي ما زالت تمنح المكان دفئه الخاص. وهناك شعر الجميع أن الموصل لا تستعيد عمرانها فقط، بل تستعيد روحها شيئاً فشيئاً.
وقد تحولت الرحلة إلى مساحة للحوار حول أهمية السياحة الثقافية ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية والتقارب بين أبناء المدن العراقية المختلفة، فزيارة الأماكن الدينية والتاريخية ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل فعل ثقافي وإنساني يعيد ربط الإنسان بجذوره وهويته المشتركة.
وفي طريق العودة، بقيت صور كاتدرائية مار توما حاضرة في ذاكرة المشاركين؛ أجراسها الصامتة، جدرانها العتيقة، ضوء الشمس المتسلل من نوافذها القديمة، والهدوء الذي يملأ أرجاءها. لقد كانت الرحلة رسالة حب للعراق بكل تنوعه، ورسالة وفاء لمدينة الموصل التي ما زالت تنهض من بين الركام لتقول إن الحضارة أقوى من الخراب، وإن الإنسان العراقي قادر دائماً على صناعة الحياة من جديد.
عدسة عماد الزبيدي وثقت الرحلة، لكن الأثر الحقيقي بقي محفوراً في قلوب من زاروا المكان، لأن بعض المدن لا تُرى فقط، بل تُشعَر… والموصل واحدة من تلك المدن.

قد يعجبك ايضا