15 أيار .. حين تحولت اللغة الكوردية إلى مشروع بقاء وهوية

كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

في ال15 من أيار من كل عام يحيي الكورد في مختلف أجزاء كوردستان والعالم “يوم اللغة الكوردية” بوصفه مناسبة قومية وثقافية تجسد تاريخاً طويلاً من النضال للحفاظ على اللغة والهوية في مواجهة عقود من الحظر والتهميش ومحاولات الطمس الثقافي.

ومنذ عام 2006، بدأت المؤسسات الثقافية واللغوية الكوردية في جميع اجزاء كوردستان وتركيا إلى جانب مراكز ثقافية في المهجر، بإحياء هذا اليوم عبر فعاليات وندوات وأنشطة أدبية تؤكد مكانة اللغة الكوردية باعتبارها أحد أهم أعمدة الهوية القومية للشعب الكوردي.

من يوم اللغة الأم إلى يوم اللغة الكوردية:

جاءت فكرة تخصيص يوم للغة الكوردية بعد اعتماد منظمة يونيسكو يوم 21 شباط يوماً عالمياً للغة الأم، وهو القرار الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1999 بهدف تعزيز التنوع اللغوي والثقافي وحماية اللغات المهددة بالاندثار.

وبالنسبة للكورد، تعرضت لغتهم عبر عقود طويلة للمنع والإقصاء في جميع اجزاء من كوردستان، حمل هذا القرار بعداً خاصاً ودفع نخبة من المثقفين والباحثين الكورد إلى المطالبة بيوم يخلد اللغة الكوردية ويعيد تسليط الضوء على تاريخها ونضالها الثقافي.

لماذا اختير 15 أيار؟

لم يكن اختيار هذا التاريخ حدثاً عابراً بل جاء لأنه يصادف ذكرى صدور العدد الأول من “مجلة هاوار” في دمشق بتاريخ 15 أيار 1932، وهي المجلة التي شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ اللغة الكوردية الحديثة.

ورغم المكانة التاريخية لصحيفة “كوردستان” الصادرة عام 1898 بوصفها أول صحيفة كوردية فإن “هاوار” امتلكت خصوصية مختلفة إذ لم تكن مجرد مجلة ثقافية بل مشروعاً قومياً متكاملاً لإنقاذ اللغة الكوردية من الضياع وإعادة بنائها على أسس حديثة.

زمن الحظر ومحاولات محو الهوية:

بعد تأسيس الجمهورية التركية عام 1923، تعرضت اللغة الكوردية لواحدة من أقسى مراحل التضييق في تاريخها حيث أُغلقت المدارس والجمعيات الكوردية وحُظرت المطبوعات والنشاطات الثقافية باللغة الكوردية فيما كانت أي محاولة للنشر أو التعليم بالكوردية تواجه بالمصادرة والعقوبات.

وفي تلك المرحلة، لم يكن الوضع أفضل في بقية أجزاء كوردستان، إذ عانت اللغة الكوردية من التهميش والقيود السياسية بينما بقيت الكرمانجية الشمالية المنتشرة في مساحات واسعة من كوردستان مهددة بالتراجع والاندثار.

الأمير جلادت بدرخان .. معركة الدفاع عن اللغة:

في وقت أخفقت فيه الانتفاضات السياسية والعسكرية الكوردية في تحقيق أهدافها اختار عدد من المثقفين الكورد خوض معركة مختلفة عنوانها حماية اللغة والثقافة بوصفهما جوهر الوجود القومي.

وكان في مقدمة هؤلاء الأمير جلادت بدرخان الذي قاد مشروعاً ثقافياً رائداً تمثل في وضع الأبجدية الكوردية بالحروف اللاتينية وإطلاق مجلة “هاوار”، واضعاً بذلك حجر الأساس للنهضة اللغوية الكوردية الحديثة.

وقد انطلقت “هاوار” في ظروف بالغة الصعوبة وسط غياب الإمكانيات المادية وفي ظل المنفى الذي عاشه القائمون عليها في دمشق، بينما لم تكن هناك آنذاك قواعد كتابة موحدة أو حروف خاصة باللغة الكوردية الأمر الذي جعل القائمين على المجلة يخوضون معركة تأسيس حقيقية من الصفر.

“هاوار” .. ثورة ثقافية غيرت التاريخ:

لم تكن “هاوار” مجرد مجلة بل تحولت إلى مدرسة ثقافية متكاملة أسهمت في إعادة إحياء اللغة الكوردية ونشرها بين الناس كما لعبت دوراً محورياً في:

* ترسيخ الأبجدية اللاتينية الكوردية.
* تعليم القراءة والكتابة باللغة الكوردية.
* إعداد جيل جديد من الأدباء والصحفيين الكورد.
* إحياء الأدب والفولكلور والتاريخ الكوردي.
* ربط المثقفين الكورد في مختلف أجزاء كوردستان.

كما أطلقت المجلة مشاريع ثقافية أخرى من بينها مجلة “روناهي”، وصحيفة “روژا نو”، إضافة إلى تأسيس مكتبة “هاوار” ومدارس لتعليم اللغة الكوردية في سوريا ولبنان.

ويرى باحثون أن هذه التجربة شكلت ثورة ثقافية حقيقية نقلت المجتمع الكوردي من مرحلة التشتت والضعف الثقافي إلى مرحلة أكثر تنظيماً ووعياً بهويته القومية.

يوم يحمل ذاكرة وهوية ومستقبلاً:

ويمثل 15 أيار اليوم أكثر من مجرد ذكرى لصدور مجلة تاريخية إذ أصبح رمزاً لصمود اللغة الكوردية في وجه سياسات الإنكار ورسالة تؤكد تمسك الكورد بحقهم في التعلم والنشر والتعبير بلغتهم الأم.

كما يجسد هذا اليوم تقديراً لجهود الرواد الذين حافظوا على اللغة الكوردية في أصعب الظروف ورسخوا أسس النهضة الثقافية الحديثة التي ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

وفي وقت تواجه فيه كثير من لغات العالم خطر التراجع والاندثار يؤكد الكورد في كل عام عبر إحياء يوم اللغة الكوردية أن اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب بل ذاكرة شعب وهوية أمة وتاريخ نضال طويل من أجل البقاء.

قد يعجبك ايضا