نبيل عبد الأمير الربيعي
في مدنٍ كثيرة، قد يزور الإنسان معلماً أثرياً أو مكاناً تاريخياً ثم يغادره بعد التقاط بعض الصور والاحتفاظ بذكرى عابرة، لكن الأمر يختلف تماماً في مدينة مثل الموصل الحدباء ؛ هذه المدينة لا تُزار بوصفها مكاناً فحسب، بل تقرأ بوصفها ذاكرة حية لوطن كامل.
كل زاوية فيها تحمل حكاية، وكل حجر يروي قصة صمود، وكل شارع يشهد على معركة طويلة خاضتها المدينة بين الحياة والموت.
ضمن الرحلات الثقافية والترفيهية التي تنظمها شركة التكاتم للسياحة والسفر، جاءت زيارتنا من مدينة الحلة إلى الموصل الحدباء لتكون أكثر من مجرد رحلة سياحية، بل محطة إنسانية ووطنية عميقة أعادت إلى الأذهان صورة مدينة قاومت الإرهاب وتمسكت بالحياة رغم ما تعرضت له من دمار وألم.
الموصل التي عرفها العراقيون مدينةً للعلم والثقافة والتنوع، كانت تستعيد روحها القديمة شيئاً فشيئاً. الحياة عادت إلى الأسواق، والأصوات عادت إلى الأزقة القديمة، والناس يمارسون تفاصيل يومهم بإصرار يشبه انتصاراً يومياً على سنوات الخراب.
وكانت محطة الأكثر تأثيراً في برنامج الرحلة زيارة حامع النوري الكبير، هذا الجامع العريق، الذي ارتبط اسمه بتاريخ الموصل وهويتها الحضارية، شُيّد بين عامي 1170 و1172م بأمر من السلطان نور الدين زنكي، ليصبح ثاني جامع يُبنى في المدينة بعد الجامع الأموي. ولم يكن الجامع مجرد صرح ديني، بل تحول عبر القرون إلى رمز روحي وثقافي وإنساني ظل حاضراً في ذاكرة العراقيين جميعاً.
ومن هنا جاءت صدمة العراقيين كبيرة حين أقدمت عصابات داعش الإرهابية على تفجير الجامع ومئذنته الحدباء في محاولة يائسة لطمس هوية المدينة وكسر روحها الحضارية. لقد كان استهداف الجامع محاولة لاستهداف الذاكرة نفسها، واستهدافاً لرمز ارتبط بتاريخ العراق ووجدان أهله.
فبعد دحر الإرهاب، بدأت الموصل رحلة شاقة لاستعادة الحياة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وكان جامع النوري واحداً من أبرز رموز هذه العودة. واليوم، عندما يقف الزائر أمام الجامع بعد إعادة ترميمه، يشعر أن المكان لا يروي حكاية دمار فقط، بل يروي أيضاً قصة انتصار الإنسان على الظلام، وانتصار الإرادة على الخراب.
لقد عاش أعضاء گروب سفر مدينة الحلة الذين رافقتهم شركة التكاتم في هذه الرحلة لحظات امتزجت فيها مشاعر الحزن بالفخر. كان الجميع يتأمل المكان بصمت عميق أحياناً، وبكثير من التأثر أحياناً أخرى. بعضهم استعاد صور الدمار التي تناقلتها وسائل الإعلام خلال سنوات الحرب، فيما أخذ آخرون يتحدثون عن الموصل التي عرفوها سابقاً مدينةً مفتوحة للحياة والثقافة والمحبة.

ولعل أكثر ما أضفى على الرحلة جمالها الخاص روح الألفة بين المشاركين، إلى جانب التنظيم الواضح الذي عرفت به شركة التكاتم للسياحة والسفر. فقد حرصت الشركة على إعداد برنامج متكامل أتاح للجميع التعرف على المعالم التاريخية والثقافية للمدينة، مع توفير أجواء مريحة وممتعة جعلت الرحلة تحمل طابعاً إنسانياً دافئاً، بعيداً عن مجرد التنقل بين الأماكن.
وقد شكلت هذه الزيارة مناسبة مهمة للتأكيد على أهمية السياحة الداخلية بوصفها جسراً للتقارب بين أبناء المدن العراقية المختلفة. فعندما يزور أبناء الحلة مدينة الموصل، فهم لا يزورون مكاناً غريباً عنهم، بل يزورون جزءاً من ذاكرتهم الوطنية المشتركة.
فالعراق، رغم تنوع مدنه وثقافاته ولهجاته، يبقى وطناً واحداً تجمع أبناءه المحبة والتاريخ والوجع والأمل.
وفي أرجاء جامع النوري، وبين ملامح الإعمار الجديدة وآثار الماضي القريب، شعر الجميع أن العراق قادر دائماً على النهوض مهما اشتدت المحن. فالإرهاب قد يدمر حجارة الأبنية، لكنه لا يستطيع أن يهزم إرادة الناس أو يمحو ذاكرة المدن العريقة.
لقد كانت الرحلة إلى الموصل درساً عميقاً في معنى الصمود، ورسالة واضحة بأن الحياة أقوى من الموت، وأن المدن التي تمتلك تاريخاً عظيماً قادرة دائماً على استعادة نورها مهما طال الظلام.
وستبقى الموصل، بجامعها العريق، وحدبائها الشهيرة، وأسواقها القديمة، وأهلها الطيبين، مدينةً تشبه العنقاء… تنهض في كل مرة من تحت الرماد أكثر جمالاً وقوةً وحياة.
