سهيل الزهاوي
المقدمة:
تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبة المشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلى إعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فردية معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني–جمعي أوسع، حيث تُستعاد الغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدو الوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشاد الشعري.
تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسية – بما تنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومرارات تاريخية – إلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرة الروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًا من يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أو الحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقين جاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربة ذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسار – الذي تمثّله مرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّس على الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.
وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرة الجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكرية والنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذه التجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لا كانتفاءٍ للمشروع.
انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» من خلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّل فيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعاد صياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارة الانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسار الذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال «اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًا داخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.
نص القصيدة
تـرتـيـلـة يـقـيـن
أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ
جَـلـيـسَ الـلا أحَـدْ
يـا نـديـمَ الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ …
نـاطـورَ الأمـانـي …
ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ
يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـس ِ
إلى بُـسـتـان ِ غـدْ
دون أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ
ونـامـوسَ الـمـرايـا :
خـيـمـة ٌ دون وتـدْ
وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ بـحـار ٍ
يُـسْـرُهـا جـزرٌ
وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ
مُـطـفـأ الـشـمـس ِ …
وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو مـن رَمَـدْ
فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا بـيـتـا ً وظِـلا ً
ومـدَدْ
ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى
يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ …
والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى
شَـهـدْ الـرَّغـدْ
أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ …
الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ …
الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :
كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً
وتـراتـيـلَ يـقـيـن ٍ
بـعـدمـا كـنـتَ كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ
عنوان القصيدة:
يأتي عنوان القصيدة «ترتيلة اليقين» بوصفه بنية دلالية مكثَّفة تؤدي وظيفة المفتاح التأويلي للنص، إذ يجمع بين لفظتين تُنشئان علاقة إنتاج وتوليد، لا مجرد علاقة وصف خارجي.
أولًا، تحيل كلمة «ترتيلة» إلى فعل طقسي‑إنشادي يقوم على التدرّج والتمهّل والتكرار، أكثر مما يقوم على التصريح المباشر بالمعنى. فالترتيل، في بعده الثقافي، ليس مجرد لفظة ذات خلفية دينية، بل ممارسة لغوية وإيقاعية يمكن أن تنفتح على النشيد الجماعي والخطاب النضالي والبيان الشعري المبطَّن، بما يجعل من القول نفسه فعلًا لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة.
ثانيًا، لا يحضر «اليقين» في العنوان كحقيقة ناجزة أو عقيدة مغلقة، بل كحصيلة لمسار من التجربة والألم والانكسار. إنه يقين لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُنتَج من داخلها عبر فعل الترتيل ذاته؛ أي عبر المرور بالجرح والمنفى والخيبة وصولًا إلى نوع من التسالم الداخلي. بهذا المعنى يغدو اليقين في القصيدة يقينًا متحوّلًا، يتشكّل داخل اللغة والتجربة لا خارجَهما.
ثالثًا، يكشف التركيب الإضافي «ترتيلة يقين» عن علاقة سببية ضمنية: فاليقين هنا هو ما يُرتَّل، وما يتكوَّن عبر الترتيل، لا ما يُفترَض سلفًا. العنوان لا يقرّر يقينًا، بل يعلن منذ البدء أن النص حركةٌ ترتيلية في اتجاه يقينٍ يُصاغ ويُختبَر، لا نقطةُ وصولٍ مضمونة.
ومن الناحية النحوية، يتكوّن العنوان من مضاف ومضاف إليه: «ترتيلةُ» (مبتدأ أو اسم مرفوع في سياق العنوان) و«يقينٍ» مضاف إليه مجرور، وهو تركيب إضافي يُعمِّق الدلالة على أن موضوع الترتيل هو اليقين نفسه؛ أي يقين لا يُمتلك مباشرة، بل يُعاد إنتاجه عبر الإنشاد واللغة.
خلاصة:
يعمل عنوان «ترتيلة اليقين» بوصفه إعلانًا عن مسار لا عن حالة نهائية؛ فهو يربط بين الترتيل كفعل لغوي‑طقسي جماعي، وبين اليقين كأثر متحوّل ينجم عن إعادة تأويل التجربة داخل فضاء الشعر والذاكرة.
تحليل الابيات
تحليل مقطعي افتتاحية القصيدة:
النداء الافتتاحي وبناء صورة الذات المنفية
«أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا أحَدْ»
النداء ووظيفته التأسيسية
يفتتح الشاعر النص بنداءٍ مرتفع النبرة «أيُّها»، وهي صيغة استدعاء تُسند إلى المخاطَب مكانة تتجاوز حدود المخاطَب العابر، لتمنحه ملامح كيان رمزي يُستدعى ليشغل مركز الفضاء الشعري. بهذا المعنى، لا يعمل النداء وظيفة بلاغية شكلية فحسب، بل يؤدّي دورًا تأسيسيًا؛ إذ يعلن دخول شخصية محورية تحمل أبعادًا وجودية وجمعية، ويهيّئ المتلقي لقراءة القصيدة باعتبارها حوارًا مع حالة أو نموذج رمزي، لا مع فرد محدّد في سياق عرضي.
«الطاعن بالغربة والحزن» بين الدلالة والنفسية
يعيد الشاعر تشكيل تركيب مألوف هو «الطاعن في السنّ» بنقله من حقل الزمن البيولوجي إلى حقل التجربة الوجودية، فيصبح معيار التقدّم في العمر هو الغربة والحزن لا السنوات. هكذا تتحوّل الغربة من كونها ظرفًا مكانيًا إلى كينونة زمنية متراكمة؛ فهي خبرة طويلة تُراكِم الانفصال عن الوطن والآخرين حتى تصبح جزءًا من هوية المخاطَب. وبالمثل، لا يظهر الحزن كحالة انفعالية عابرة، بل كرسوب كثيف في الوجدان والذاكرة، يُثقِل الكائن بزمن عاطفي ممتد. النتيجة أن المخاطَب يُقدَّم كذات «مُسنّة» في ألمها واغترابها، ما يضفي على النص منذ البدء طابعًا تأمليً