صادق الازرقي
تشهد ضفاف نهر دجلة في العراق، لا سيما في بغداد والكوت، حملات تطوعية بقيادة شبابية تهدف إلى تنظيف النهر من النفايات البلاستيكية والصلبة، ونشر الوعي البيئي.
شملت الأنشطة رفع الأنقاض قرب الجسور وحملات توعية للعائلات، وتأهيل الكورنيش لتعزيز الجمالية والمحافظة على الموارد المائية. وبرزت مبادرات مثل “سفراء النظافة” التي تحولت من جهد فردي إلى عمل جماعيلتنظيف ضفاف النهر من المخلفات البلاستيكية والتوعية بمخاطرها.
وشاركت جامعة بغداد في هذه الحملة التطوعية بالتعاون مع وزارة الداخلية لتعزيز الوعي المجتمعي بترسيخ المسؤولية الجماعية تجاه الموارد المائية،ونظمت مديرية بيئة واسط حملة كبرى لتنظيف كورنيش الكوت بمشاركة ملاكاتنسوية وشبابية والشرطة البيئية للحد من التلوث استهدفت هذه المبادرات رفع أطنان من النفايات، وبخاصة القناني البلاستيكية، التي تتراكم على طول مجرى النهر، بهدف تحسين المظهر الحضاري للمدن العراقية.
وبرغم نبل هذه المبادرات، إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلا عن الدور المؤسساتي للدولة. وهناك فارق بين “الفزعة” الشبابية والجهد الحكومي المستدام وبين الرمزية مقابل الأثر الجذري.
فالحملات الشبابية هي رسالة وعي مجتمعي قوية، تهدف لإحراج المقصرين ونشر ثقافة الحفاظ على البيئة، وهي تعبر عن حب المدينة، لكنها ترفع النفايات السطحية فقط، اما الجهود الحكوميةفهي المسؤولة عن البنية التحتية، كما انتنظيف النهر ليس مجرد لقط النفايات البلاستيكية، بل يشمل معالجة مياه الصرف الصحي التي تصب في النهر، ومن ذلك مجاري المستشفيات التي تصب في النهر ومنها مجاري ومخلفات مدينة الطب، وتجريف الترسبات الطينية، ومنع المصانع من رمي مخلفاتها.
هذه مهام تتطلب آليات ثقيلة وميزانيات ضخمة وقوانين صارمة، المتطوع يمنح وقته وجهده مجانا لمدة مؤقتة، ولا يمكن إلزامه بالبقاء في النهر 24 ساعة طوال العام.
الحكومة تمتلك الدوائر البلدية والملاكاتالمخصصة التي تتقاضى أجورا لضمان نظافة النهر كجزء من روتين يومي وليس كحدث استثنائي.. الشباب يعالجون النتيجة (تواجد نفايات على الضفاف)، اما الحكومة فانها الوحيدة القادرة على معالجة السبب (توفير حاويات كافية، وفرض غرامات على الملوثين، ووضع منظومات تصفية عند مصبات الانهار).
المبادرات الشبابية (مثل تنظيف دجلة)موادها أكياس نفايات وجهد عضوي بسيط، الجهود الحكومية المطلوبة لديها آليات ثقيلة، مواد المعالجة الفردية مثل “الاكراك” وغيرها، ومحطات تدوير،وكذلك ان تأثير المبادرات الشبابية هونفسي، وتوعوي، وجمالي مؤقت، اما تأثير العمل الحكومي فبيئي، وصحي، واستراتيجي طويل الأمد، المبادرات الشبابية لا تملك سلطة منع التجاوزات، في حين ان الحكومة تملك قوة القانون لردع الملوثين.
خلاصة القول، ان المبادرات الشبابية هي “الروح” التي تعطي الأمل، لكن الجهد الحكومي هو “الجسد“ والهيكل الذي من دونه يغرق النهر في التلوث مجددابمجرد انتهاء حملة التنظيف
وتعد ضرورة إدخال الجهد الحكومي في العمليات التطوعية للتنظيف في العراق أمرا جوهريا للانتقال من المبادرات الفردية المؤقتة إلى استراتيجية وطنية مستدامة، بخاصة في ظل التحديات البيئية الكبيرة التي تواجه المدن العراقية، اذ تشير التقارير الحديثة إلى أن دمج الجهود التطوعية مع الإمكانيات الحكومية يسهم من دون شك في تعزيز المظهر الحضاري وتحسين البيئة.