د. عبد الله إبراهيم عبد الله
في إحدى زياراتي لباريس بين الأعوام 2007-2001، كرّرتُ الذهاب إلى كاتدرائية (نوتردام دو باريس)، وفي إحداها أصابني الإجهاد جرّاء صعود السلّم الحجري الضيّق جدًا المؤدي إلى قمّة الكاتدرائية. سُلَّم حجري يقود إلى الشرفة العليا المطلة على نهر السين وأسطح المدينة، وهناك، حيث يرى المرء ظهر باريس لا بطنها، لفتني في الأسفل بمحاذاة نهر السين، خلف الكاتدرائية، سطحُ مبنى من رخام، وحينما هبطت قصدته، فإذا به «نُصب شهداء الترحيل». ولم أكن أعرفه من قبل، فإذا هو من أشهر المواقع التذكارية في باريس الحديثة.

أُقيم النصب سنة 1962 تخليدًا لذكرى الآلاف الذين رحّلهم النازيون إلى معسكرات الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، ومن بينهم الغجر.

جعل المعماري بينغوسون من تصميم النُّصب فضاءً للحداد الأبدي، وحاكى فيه حتى النظرة الدونية إلى الأغيار بين الأمم، فلا يرتفع فوق الأرض كالأبنية المجاورة له، بل يغور فيها حتى ليبدو كأنه دون النهر الملاصق له، فيتحتّم على الزائر أن ينحدر إليه عبر ممر ضيّق يقود إلى قبو سفلي معتم، بقصد الإيحاء بعالم العزل الذي عاشه المرحّلون. ممراته ضيقة، وفيه إضاءة خافتة تصدر عن آلاف النقط الضوئية الصغيرة جدًا، بما يخلق إحساسًا بأن الأرواح الغائبة ما تزال معلّقة في العتمة (= والأرجح أن الكورد قد حاكوه بوضع آلاف المصابيح الصغيرة في سقف قاعة مديرية أمن مدينة السليمانية، المعروف بـ«أمن سور»، في دلالة على اعتقال آلاف منهم وترحيلهم إلى خارج ديارهم، وقد كتبت عن ذلك في سيرتي الذاتية «أمواج»).
لم أجد في المكان التذكاري غير الصمت الناطق بالمأساة، فلا يقدّم النصب سردًا تاريخيًا للوقائع بقدر ما يدفع الزائر إلى معايشة معنى الضياع الجماعي. إنه نصب لذاكرة المنفيين والمقتلعين من ديارهم. وجدتُ في المعمار شهادةً أخلاقية عميقة ضد النسيان الذي يتساقط من ثقوب التاريخ.
——————————————————————-
وقفت طويلًا في «كتاب الأسفار» على وصف زياراتي لـ(نوتردام دو باريس) التي احترقت في منتصف أبريل من عام 2019.