ليلى قاسم… عروس كوردستان

فينوس بابان

لم تكن ليلى قاسم مجرد جسدٍ واجه حبل المشنقة في زنازين بغداد المظلمة فجر الثاني عشر من مايو 1974 بل كانت الزلزال الوجودي الذي أعاد ضبط بوصلة الوعي القومي الكوردستاني محولةً الموت من نهاية بيولوجية إلى انبعاث سياسي لا ينطفئ، إن لقب عروس كوردستان يتجاوز العاطفة الشعبية ليستقر في عمق التحليل السوسيوسياسي، فهي العروس التي زُفت إلى الفكرة لا إلى الفرد مُعلنةً بدمائها أن الهوية الوطنية حين تتماهى مع جسد المرأة الواعية، تصبح عصية على الكسر وأكبر من قدرة المشانق على الاحتواء، إن مشهد إعدامها كان بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة المرأة الفاعلة في الشرق الأوسط، التي تخرج من إطار الضحية السلبية لتصبح هي من يكتب التاريخ ويحدد مسارات النضال الوطني.
إن التحليل الدقيق لمسار ليلى قاسم يكشف عن عبقرية الموقف، فهي طالبة علم الاجتماع التي لم تكتفِ بتنظير المفاهيم بل مارست سوسيولوجيا الرفض في أبشع الظروف. لقد نقشت ليلى بدمائها درساً كونياً لكل امرأة في العالم.. أن الأنوثة ليست قيداً يمنع المشاركة في صنع القرار المصيري، بل هي قوة ناعمة قادرة على هزيمة الأنظمة التي لا تفهم إلا لغة الحديد. ما تركته ليلى للنساء ليس مجرد ذكرى بل هو دستور أخلاقي يؤكد أن حرية المرأة هي جزء لا يتجزأ من حرية الوطن وأن الصمود في وجه الظلم السياسي هو أسمى درجات التمكين، لقد علمتنا ليلى أن العاطفة الأنثوية حين تتماهى مع القوة الوطنية تنتج صلابةً تتفوق على الفولاذ وهو ما جعل منها أيقونة تتجاوز الجغرافيا الكوردية لتدخل سجل الخالدات اللواتي غيرن وجه التاريخ الإنساني بكلمة لا في وجه الجلاد.
إن الصمود الأسطوري الذي أبدته ليلى في أيامها الأخيرة، وإصرارها على مواجهة الكاميرات بابتسامة الواثق وبرأس مرفوع، لم يكن مجرد شجاعة شخصية بل كان فعل تواصل استراتيجي يهدف لكسر هيبة النظام أمام شعبه، لقد حولت ليلى المشنقة إلى منصة إعلامية عالمية، كشفت من خلالها زيف الشعارات الديمقراطية للأنظمة القمعية آنذاك. والجدير بالذكر أنها كانت رائدة؛ فهي أول امرأة في تاريخ المنطقة تُعدم لسبب سياسي فكري بحت، مما جعل من قضيتها سابقة قانونية وأخلاقية أحرجت النظام دولياً وأثبتت أن القضية الكوردية تملك رأسمالاً رمزياً لا يمكن تصفيته بالحروب.

قد يعجبك ايضا