نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست كل الرحلات تقاس بالمسافة، ولا كل الخسارات تقاس بما يفقد مادياً؛ فثمة رحلات تخاض داخل الذاكرة، حيث يتحول الحنين إلى فعل، ويغدو الوفاء مشروعاً يقاوم النسيان. هكذا بدأت حكاية نجود نوري جعفر، وهي تقف وجهاً لوجه أمام إرث والدها العلامة نوري جعفر، وقدوتجاوزت مكتبته (10٫000) كتابا لا بوصفها مجرد مكتبة، بل بوصفها عالماً كاملاً من الفكر والمعرفة.
في ديسمبر 2022، عادت نجود من لندن إلى بغداد التي طالما سكنت روحها، لتجد نفسها أمام صناديق مغلقة تختزن سنوات من البحث والكتابة والتأمل. لم تكن تلك الصناديق مجرد ورق مكدس، بل ذاكرة حية، كل كتاب فيها يحمل أثراً، وكل ورقة تروي سيرة عقل لم يهدأ في سعيه إلى فهم الإنسان.

ومع كل صندوق يفتح، لم تكن تنفض الغبار عن الكتب فحسب، بل كانت توقظ وجعاً مؤجلاً. إذ سرعان ما اكتشفت ضياع بعض من أثمن مقتنيات والدها: رسالة الدكتوراه، ولوحة تكريمية من مؤتمر دولي، وتمثالاً يختزل حضور الاسم في هيئة فنية، وكتب أخرى مهمة جداً. هنا لم يعد الفقد مادياً فقط، بل صار فجوة في ذاكرة كانت تسعى إلى الاكتمال.
لم تكن المهمة سهلة، حتى مع محاولات الاستعانة بالآخرين. فقد اصطدمت نجود بعقبة موجعة: عزوف المؤسسات عن استقبال هذه المكتبة، بحجج تتراوح بين ضيق المكان وثقل المسؤولية. وكأن المعرفة، حين تفقد حامليها، تصبح عبئاً لا إرثاً.
وأمام هذا الانسداد، وجدت نفسها مضطرة لاتخاذ قرار قاس؛ انتقت بعناية ما يمكن إنقاذه، وشحنت جزءاً من الكتب إلى لندن، فيما بيع الجزء الأكبر في أسواق الكتب، بأثمان لا تعكس قيمته الحقيقية. كانت لحظة مفارقة موجعة: اسم كبير يعرف، لكن أثره يختزل في سوق لا ينصت للمعنى.
غير أن هذه الخسارة لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية.
ففي لحظة وعي عميق، أدركت نجود أن إنقاذ الإرث لا يكون بحفظه في الرفوف، بل بإعادته إلى الحياة. وهكذا ولد مشروع الموقع الإلكتروني ( الويبسات)، كانت فكرة د. رشيد الخيون ليكون جسراً بين فكر نوري جعفر والأجيال الجديدة، ومنصة مفتوحة تعيد للمعرفة حقها في الانتشار.
لم تعد الكتب مجرد مواد محفوظة، بل تحولت إلى نصوص حية، قابلة للقراءة والتأويل، تتجاوز حدود المكان والزمان. لقد انتقلت من عزلة الصناديق إلى فضاء العالم، ومن الغبار إلى الضوء.
وفي التفاتة تحمل معنى الوفاء، وهبت مجموعة من الكتب، ومنها الموسوعة السوفيتية ودوريات علمية، إلى مكتبة عامة في مدينة عنة، في مشهد يعيد الثقة بأن ثمة من لا يزال يؤمن بقيمة الكتاب.
غادرت نجود بغداد، لكنها لم تغادر رسالتها. كانت تحمل في عينيها بريق مشروع بدأ يتشكل، وفي قلبها يقين بأن ما ضاع مادياً يمكن أن يستعاد معنوياً، إذا ما وجد الإصرار.
إنها ليست قصة مكتبة فقدت، بل قصة إرث أعيد خلقه. ليست حكاية خسارة، بل سيرة انتصار هادئ على النسيان.
وفي هذا كله، تثبت نجود أن الوفاء الحقيقي لا يكون بالبكاء على ما مضى، بل ببناء ما يبقى.