المحامي المستشار
دكتور سيامند مزوري
بين الطموح الإصلاحي وتعقيدات الواقع العراقي
يُعدُّ المنهاج الوزاري في العراق الوثيقة السياسية والتنفيذية الأبرز لأي حكومة جديدة؛ إذ يمثل خارطة الطريق التي تُرسى عليها السياسات العامة والأولويات الوطنية طيلة مدة الحكم. وفي هذا السياق، طُرح المنهاج الوزاري لحكومة السيد علي فالح كاظم الزيدي للأعوام (2026 – 2029) تحت شعار “دولة مستقرة – اقتصاد منتج – شراكات متوازنة”، في محاولة لتقديم رؤية استراتيجية تستجيب للتحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية الراهنة.
دستورياً، تنص المادة (76/رابعاً) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على التزام رئيس مجلس الوزراء المكلف بتقديم أسماء أعضاء كابينته الوزارية ومنهاجه الحكومي إلى مجلس النواب، ونيل ثقة المجلس بالأغلبية المطلقة. وتتجلى الأهمية القانونية لهذا النص في كونه العقد السياسي الذي يربط الحكومة بالسلطة التشريعية والجمهور، ويحدد معايير المساءلة اللاحقة.
تضمن المنهاج أربعة عشر محوراً رئيساً، غطت ملفات الأمن، السياسة الخارجية، الإصلاح الاقتصادي، الطاقة، الحوكمة، والتحول الرقمي. ورغم التماسك الظاهري للصياغة، إلا أن القراءة الفاحصة تكشف عن تساؤلات جوهرية حول واقعية التنفيذ في ظل “الأزمات الهيكلية” المزمنة في العراق، وعليه سنركز في هذا المقال على تحليل المحاور الأساسية في المنهاج الوزاري أعلاه :
اولا: الأمن وسيادة الدولة: التحدي الأصعب
تصدر الملف الأمني أولويات المنهاج، حيث أكدت الحكومة التزامها بـ “حصر السلاح بيد الدولة”، وتوحيد القرار الأمني، وتعزيز قدرات الصنوف العسكرية، مع دمج إمكانات الحشد الشعبي ضمن المنظومة الرسمية.
إن هذه البنود، رغم كونها مطلباً شعبياً ملحاً، تواجه “عقبة التنفيذ” التقليدية؛ فالمشكلة ليست في غياب النصوص، بل في التوازنات السياسية والنفوذ الإقليمي وتداخل المصالح الحزبية التي عرقلت شعار “حصر السلاح” في الحكومات السابقة. لذا، يبقى نجاح الحكومة مرهوناً بقدرتها على اجتراح “توافق سياسي وطني” يحول القرارات الورقية إلى واقع ملموس.
ثانيا: سياسة خارجية تبحث عن التوازن
تبنى المنهاج فلسفة “النأي بالنفس” عن صراعات المحاور، مع التركيز على العمق العربي والإقليمي والشراكات الدولية (كـ “اتفاقية الإطار الاستراتيجي”). يطمح المنهاج لتحويل العراق من “ساحة للصراع” إلى “جسر للتواصل” عبر مشاريع استراتيجية مثل “طريق التنمية”. إلا أن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى الصمود أمام الاستقطاب الدولي الحاد وقدرة القرار العراقي على التحرر من التأثيرات الخارجية.
ثالثا: الاقتصاد: طموح الإصلاح وواقع “الريع”
اقتصادياً، يسعى المنهاج للانتقال من “الدولة الريعية” إلى “الاقتصاد المنتج” عبر تنويع الموارد، إصلاح القطاع المصرفي، وتأسيس “صندوق الأجيال”.
بناء على ما تقدم، يفتقر المنهاج إلى “لغة الأرقام” والجداول الزمنية المحددة، ونسب النمو المستهدفة. كما أن إنشاء مجالس عليا للاستقرار المالي والاستثمار سيبقى إجراءً “بيروقراطياً” ما لم يتحرر من قيود المحاصصة السياسية التي تغلغلت في مفاصل الدولة.
رابعاً: الكهرباء والطاقة: الاختبار المتجدد
خُصصت مساحة واسعة لقطاع الطاقة، لاسيما إصلاح منظومة الكهرباء وتشريع “قانون النفط والغاز”. هذا الملف يمثل “عنق الزجاجة” لأي حكومة؛ فالأزمة ليست فنية فحسب، بل هي أزمة إدارة مشوبة بشبهات فساد، وخلافات سياسية عميقة بين بغداد وأربيل حالت دون تشريع القانون لسنوات طويلة.
خامساً: الحوكمة ومكافحة الفساد: الحلقة المفقودة؟
رغم إدراج مفاهيم الحوكمة والتحول الرقمي ضمن المنهاج، إلا أن القراءة الفاحصة تكشف عن خلوّه من أي رؤية ابتكارية أو أدوات إجرائية “خارج الصندوق” لمواجهة آفة الفساد، حيث اكتفى المنهاج بترديد شعارات عامة ومستهلكة وُجدت في جميع البرامج الحكومية السابقة دون أثر ملموس، مما يجعله يبدو كـ “إسقاط فرض” قانوني لا خطة اقتحامية حقيقية، ويُسجل على المنهاج قصوره في تشخيص الفساد كأزمة “بنيوية سياسية” وليست مجرد خلل إجرائي يمكن حله بالأتمتة وحدها، إذ غابت عنه الآليات العملية لحماية الأجهزة الرقابية والقضاء من تغوّل الضغوط الحزبية، كما أغفل تماماً معالجة “فساد المحاصصة” في المناصب والدرجات الخاصة التي تمثل الحاضنة الكبرى للهدر المالي. إن هذا القفز فوق استحقاق مكافحة الفساد -بوصفه المرض الأساسي لا العرض الجانبي- يضع علامات استفهام كبرى حول واقعية تنفيذ بقية بنود المنهاج؛ فمن دون إرادة سياسية لكسر شوكة المال السياسي وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا” وملاحقة الرؤوس الكبيرة، سيبقى الحديث عن الإصلاح الاقتصادي والسيادة مجرد “إنشاء سياسي” يصطدم بجدار المصالح العميقة التي تلتهم موارد الدولة قبل وصولها للمواطن.
سادساً: التعليم، الصحة، والتحول الرقمي
جاء الاهتمام بالذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية كخطوة تحديثية لافتة، تعكس إدراكاً لمتطلبات العصر. لكن تطبيقها يصطدم بضعف البنية التحتية التقنية. أما في ملفي التعليم والصحة، فما يزال الغموض يكتنف التخصيصات المالية الفعلية اللازمة لتحقيق القفزة النوعية الموعودة.
خاتمة
يمكن القول إن منهاج حكومة علي فالح كاظم الزيدي جاء أكثر نضجاً وتنظيماً من سابقيه، محاولاً موازنة الطموح بالواقعية. ومع ذلك، تبقى الفجوة بين “النص” و”التطبيق” هي التحدي الوجودي. فالعراق لا يفتقر إلى الرؤى، بل إلى “الإرادة السياسية” القادرة على مواجهة مراكز القوى والفساد.
في نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه الحكومة بجودة صياغة منهاجها، بل بمدى الأثر الملموس الذي سيلمسه المواطن في أمنه، وقوته، وخدماته اليومية.