أربيل وبغداد من “فصل المشاحنات” إلى “الفاصل الحيوي” تحت سقف الدستور

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا

في خضم الأمواج المتلاطمة التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من التصعيد العسكري بين القوى الإقليمية والدولية وصولاً إلى أزمات الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز، يبرز التساؤل الملح حول مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل.
ومع اقتراب تشكيل حكومة جديدة في العاصمة الاتحادية بغداد، يبدو أننا أمام فرصة تاريخية، ليس فقط لتفكيك الملفات العالقة، بل لإعادة تعريف “المرض” السياسي الذي شاب هذه العلاقة لسنوات، والانتقال به نحو مرحلة “التداوي” والاستقرار.
إن العلاقة بين عاصمة إقليم كوردستان الفيدرالي وعاصمة الدولة الاتحادية لا ينظمها فقط الدستور كأوراق قانونية جافة، بل یجب أن تحكمها “روحية العمل المشترك”.
فالطبقة السياسية التي صاغت مواد الدستور جمعتها سنوات من النضال والتفاهمات التي نضجت في خنادق المعارضة قبل عام 2003، مما أنتج فكراً يفترض أن يكون أساساً لحكم ناجح.
إن الخلافات القائمة اليوم لا ينبغي رؤيتها كعقبات هدامة، بل هي كالأعراض السريرية التي تشير إلى وجود خلل بنيوي يحتاج إلى تشخيص صريح وقناعة بضرورة العلاج. ففي السياسة، يكشف الأداء العملي عن عمق التوجهات وصدق النوايا في بناء دولة المواطنة والشراکة الحقيقية.
تاريخياً وبسبب تقسیم كوردستان بعد الحرب العالمیة الأولی كانت بغداد هي العمق الواقعي لكوردستان، لكنها قبل عام 2003 كانت عاصمة لإنتاج صراعات قاسية.
الفارق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في “العقل الحاكم”؛ فبينما كان النظام السابق يسعى لفرض تبعية مطلقة قائمة على الأيديولوجيا العسكرية والعقائدية، يعاني العصر الحالي من “إشاعة القرار السياسي” قبل دراسة القواعد الفيدرالية التي تنظم العلاقة بين قوى الحكم.
لقد كانت تجربة إقليم كوردستان (1991-2003) من وجهة نظر السیاسي المفکر، مسؤول الهيئة العاملة في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني، السيد فاضل میراني، تجربة استباقية فريدة، حيث سبق “الجزء” في كوردستان “الكل” في العراق في ممارسة الحكم والإدارة والعمل البرلماني. ورغم الضغوط الخانقة والحروب الداخلية آنذاك، إلا أنها رسخت خبرة إدارية وسياسية كان الأجدر ببغداد الاستفادة منها لتجاوز محنة ما بعد 2003.
لا يمكن قراءة الزيارات الأخيرة لرئيس إقليم كوردستان السيد نیچیرڤان بارزاني و رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني إلى بغداد إلا بوصفها حوارات “ترميمية وتصحيحية”.
إن الهدف النهائي ليس مجرد تسويات فنية، بل هو حماية “مصالح العراق وشعب كوردستان” من ضرر بليغ تعرضت له هذه المصالح نتيجة الفهم المغلوط للسلطة.
نحن اليوم أمام ضرورة وضع “فاصل حيوي” بين العاصمتين وفق نص وروح الدستور. هذا الفاصل هو تنظيم تنفيذي وتشريعي وقضائي يمنع تغول طرف على آخر، ويحول دون غلبة معتقد أو تنظيم سياسي معين على مساحة الحقوق والمواطنة.
ختاماً؛ بفضل الرؤية الإستراتيجية للمرجع الكوردستاني السيد مسعود بارزاني، استطاع الحزب الديمقراطي والقوى التحررية قيادة تجربة الإقليم نحو الاستقرار، وهي تجربة نقدمها بواقعية دون ادعاء التمام، في وقت لا تزال فيه تجارب القوى السياسية في بغداد تواجه عثرات حالت دون وصولها إلى معايير الأداء المقبولة، لکن الثابت هو أن الإقليم لم يلعب يوماً دوراً سلبياً متعمداً تجاه العراق، بل كان ولا يزال يبحث عن “دولة حدود” تحمي الجميع.
إذن مع تشكيل الحكومة الجديدة، تظل الفرصة سانحة لاستبدال “الفصل المشحون” بالتصورات والإرادات الضيقة بـ “فاصل دستوري” يضمن الاستقرار، بعيداً عن ضجيج الصراعات الإقليمية التي تحيط بنا، لنؤمن للأجيال القادمة واقعاً سياسياً يقوم على الشراكة الحقيقية و التوازن و التوافق.

قد يعجبك ايضا