د.أميمة منير جادو
باحث اكاديمي- عضو اتحاد الكتاب
مدخل استهلالي
تنهض قصة «موال الرجال» على مفارقة فنية لافتة؛ إذ تبدأ بفزّورة شعبية تبدو عابرة، ثم تتسع تدريجيًا لتصبح نافذة على أسئلة الوجود الإنساني، والذاكرة الشعبية، ومعنى الفقد، وحدود العقل أمام تعقيد الحياة. فالقاص حسام المقدم لا يكتفي بتقديم لغز حسابي حول شراء “مائة رجل بجنيه”، بل يحوّل هذا اللغز إلى متاهة رمزية تتشابك فيها دلالات الإنسان والسلطة والعبودية والاغتراب والزمن.
وتنبع قوة النص من قدرته على الانتقال السلس بين اليومي والعميق؛ فالمكان عادي: مدرسة حكومية في الصيف، والشخصيات نماذج مألوفة من المدرسين والإدارة، غير أن حضور الرجل العجوز بما يحمله من فوازير وأمثال وذاكرة شفاهية يفتح الباب أمام عالم آخر، تتجاور فيه الحكمة الشعبية مع الكابوس الوجودي، ويصبح “الرجل” في الفزورة أكثر من رقم في معادلة، بل كائنًا إنسانيًا يجر وراءه تاريخًا من التعب والترحال والانكسار.

وتكشف القصة عن وعي سردي قادر على توظيف الحكاية الشعبية والأغنية والمثل والحلم توظيفًا رمزيًا عميقًا، بحيث يتحول النص من حكاية طريفة إلى تأمل فلسفي في الإنسان ومصيره، وفي هشاشة العقل حين يحاول إخضاع الحياة لمنطق الحساب وحده.
أولًا: دلالة العنوان «موال الرجال»
يحمل العنوان كثافة دلالية لافتة؛ فاختيار كلمة «موال» ليس اعتباطيًا، بل يفتح النص منذ البداية على فضاء شعبي شجي، يرتبط بالغناء والحكي والوجع الإنساني الممتد.
والموال في الثقافة الشعبية ليس مجرد غناء، بل سردٌ للحزن والحنين والخبرة الحياتية. لذلك يصبح العنوان مفتاحًا لقراءة القصة بوصفها “موالًا” طويلًا عن البشر، لا مجرد فزورة حسابية.
أما كلمة «الرجال» فتكتسب داخل النص أبعادًا متعددة:
فهي ظاهريًا عناصر في مسألة حسابية.
لكنها رمزيًا تمثل البشر في عمومهم.
كما تحيل ضمنيًا إلى العمال والتراحيل والمقهورين الذين يتحدث عنهم الرجل العجوز لاحقًا.
ومن هنا يبدو العنوان وكأنه يلخص روح النص كلها: غناء شعبي حزين عن الإنسان.
ثانيًا: الفزورة بوصفها بنية رمزية
الفزورة في ظاهرها لعبة ذهنية:
«معنا بالصلاة على النبي جنيه واحد، نريد أن نشتري به مائة رجل…»
لكن الكاتب يحمّلها تدريجيًا أبعادًا رمزية خطيرة. فالإنسان هنا يتحول إلى “ثمن”، وإلى فئات متفاوتة القيمة:
رجل بمليم.
رجل بقرش.
رجل بخمسة قروش.
وهذا التصنيف الرقمي يوقظ في وعي الشخصيات والقارئ معًا أسئلة أخلاقية وتاريخية تتصل بسوق العبيد وتقييم البشر بالقيمة المادية.
ويتجلى التحول الدلالي بوضوح في قول الراوي:
«مائة بني آدم، سُود وبيض وبألوان الطيف، يأكلون ويشربون ويتبولون، كيف تُنظمهم؟ هل بالخوف؟»
هنا يغادر النص حدود الطرافة إلى التأمل الإنساني والفلسفي، ويتحول السؤال الحسابي إلى سؤال عن السلطة وآليات السيطرة على البشر.
ثالثًا: البنية العبثية وصراع العقل مع المتاهة
اعتمد الكاتب على تصعيد عبثي متدرج؛ إذ تتحول الفزورة البسيطة إلى أزمة حقيقية تشغل المدرسين وتؤرق نومهم.
وتبرز المفارقة في أن:
رجال التعليم،
ومُدرس الرياضيات تحديدًا،
يعجزون عن حل لغز شعبي بسيط متوارث شفهيًا.
وهنا تتجلى سخرية خفية من المعرفة الأكاديمية حين تنفصل عن الحكمة الشعبية والتجربة الإنسانية.
ويكشف التعبير:
«واصلنا عصر أمخاخنا»
عن حالة الاستنزاف الذهني التي دخلتها الشخصيات، حتى بدا العقل نفسه عاجزًا أمام تعقيد بسيط ظاهريًا.
كما أن بقاء المدرسين في المدرسة بعد موعد الانصراف المعتاد يمنح الفزورة طابعًا قدريًا، وكأنهم وقعوا في شركٍ ذهني لا يستطيعون الخروج منه.
رابعًا: الكابوس ودلالاته النفسية والرمزية
يمثل حلم مدرس الدراسات أحد أهم المفاصل الفنية في القصة، لأنه ينقل النص من الواقعية اليومية إلى أفق كابوسي رمزي.
فالسفينة المظلمة، والأجساد المقيدة، والمياه الرصاصية، والرجل الذي يُلقى في البحر؛ كلها صور تستدعي:
تجارة العبيد،
والرحلات القسرية،
والموت الجماعي،
والاغتراب الإنساني.
ويبدو الحلم كأنه ترجمة لا واعية للفزورة نفسها؛ إذ تحولت “الرجال” من أرقام مجردة إلى أجساد مقيدة ومهددة بالمحو.
كما أن مشهد الغرق في الأرض:
«تشفطني الأرض، أنزل في بطنها حتى صدري»
يحمل دلالة وجودية عميقة، توحي بالخوف من الفناء والابتلاع والضياع.
خامسًا: توظيف التراث الشعبي
من أبرز عناصر تميز القصة توظيفها الذكي للتراث الشعبي:
الفزورة،
الموال،
الأغنية،
المثل،
الحكاية الشفاهية.
فالأغنية الشعبية:
«أحدّتَك حدوتة.. بالزيت ملتوتة»
تعكس الطبيعة الدائرية العبثية للحياة، إذ تنتهي كل إجابة بسؤال جديد، وكل حل بعقدة أخرى.
وكذلك المثل:
«الراجل يحبَل ولا يولدش»
يبدو غامضًا في البداية، ثم يفسره الرجل بمعنى الادخار “لوقت اللزوم”، وهو ما يكشف طبيعة العقل الشعبي القائم على المجاز والكناية والحكمة المبطنة.
وقد نجح الكاتب في دمج هذه العناصر داخل السرد دون افتعال، فبدت جزءًا عضويًا من روح النص.
سادسًا: شخصية الرجل العجوز بوصفه حامل الذاكرة
الرجل العجوز ليس مجرد شخصية عابرة، بل يمثل “حارس الذاكرة الشعبية”.
فهو:
يحمل ورقة قديمة عمرها أكثر من أربعين عامًا،
ويرث الفزورة عن أبيه،
ويربطها بحياة التراحيل وحفر الترع والغربة.
وفي حديثه عن أبيه تتجلى طبقة اجتماعية كاملة من العمال البسطاء الذين حملوا الوطن على ظهورهم:
«شيل وحَط لحد ما انكسرت ظهورهم»
وهنا ترتفع القصة من الخاص إلى الجمعي، ومن الفردي إلى التاريخي.
كما أن ربط الرجل بين الراوي وابنه الميت:
«فيك شبه كبير من المرحوم ابني»
يضفي على الشخصية بعدًا إنسانيًا حزينًا، ويجعل الفزورة نفسها وسيلة لمقاومة الوحدة والفقد.
سابعًا: اللغة والأسلوب
لغة القصة تمتاز بالسلاسة والاقتصاد والقدرة على خلق إيقاع حي.
فالكاتب يوازن بين:
اللغة الفصيحة،
وروح العامية المصرية،
والإيقاع الشعبي.
كما تتسم الجمل بالحيوية البصرية:
«وجهه الأسمر أرض محروثة»
وهو تصوير بليغ يختصر حياة كاملة من التعب والخبرة.
كذلك نجح السرد الحواري في خلق طبيعية كبيرة، فجاءت الشخصيات متكلمة بصوتها الخاص دون تصنع.
ثامنًا: النهاية المفتوحة ودلالة «الفزورة الجديدة»
تنتهي القصة بعبارة:
«وانت اعمل حسابك على فزّورة جديدة»
وهي نهاية ذكية تتجاوز الحدث المباشر إلى دلالة أوسع؛ فالحياة نفسها سلسلة من الفوازير التي لا تنتهي.
لقد حُلَّ اللغز الحسابي، لكن الأسئلة الإنسانية بقيت مفتوحة:
كيف نفهم البشر؟
كيف نواجه الفقد؟
كيف نحمل الذاكرة؟
وكيف نعيش وسط هذا العبث؟
ومن هنا جاءت النهاية مشبعة بإحساس إنساني شفيف، يجمع بين البساطة والحكمة والحزن الخافت.
خاتمة
تقدم قصة «موال الرجال» نموذجًا سرديًا متميزًا يمزج بين الحكاية الشعبية والتأمل الفلسفي، ويكشف قدرة حسام المقدم على تحويل تفصيلة يومية صغيرة إلى نص إنساني واسع الدلالة.
فالقصة لا تتحدث عن فزورة فحسب، بل عن الإنسان حين يتحول إلى رقم، وعن الذاكرة حين تصبح وسيلة لمقاومة الموت، وعن الحكمة الشعبية التي قد تهزم أكثر العقول تعقيدًا.
إنها قصة تُقرأ بوصفها “موالًا” طويلًا للحياة نفسها؛ حياةٍ مليئة بالألغاز، والحنين، والخسارات، والأسئلة التي لا تنتهي.