محمد صالح شلال
ظاهرة قديمة في الحركات العقائدية المغلقة، سواء كانت دينية متطرفة أو أيديولوجية ثورية. هذه القوى لا تقيس النجاح دائماً بمعايير الدولة والمجتمع — مثل حماية الناس، تقليل الخسائر، الحفاظ على العمران، أو تحسين حياة الجمهور — بل تقيسه بمعيار مختلف تماماً: “الاستمرار في المواجهة” و ”عدم الاعتراف بالهزيمة”. وهنا تكمن المشكلة الأساسية.
ففي كثير من الأحيان، تتحول الهزيمة العسكرية أو السياسية إلى مادة دعائية تُقدَّم للأنصار بوصفها “صموداً تاريخياً”. الدمار يصبح “تضحية”، والضحايا يصبحون “وقود النصر”، والخسائر الاقتصادية تُبرَّر بأنها “ثمن الكرامة”. بهذه الطريقة يتم نقل النقاش من سؤال: “ماذا خسر المجتمع؟” إلى سؤال آخر: “هل استسلمنا أم لا؟”. وكأن مجرد البقاء بعد الكارثة يُقدَّم كإنجاز بحد ذاته.
هذه العقلية موجودة لدى عدد من الحركات المسلحة والتنظيمات العقائدية، سواء في المنطقة العربية أو خارجها. فبعد كل مواجهة، نرى خطاباً متشابهاً:
التركيز على الرمزية والعاطفة بدل النتائج الواقعية.
تصوير أي انتقاد باعتباره “خيانة” أو “انهزامية”.
منع القواعد الشعبية من التعبير عن الألم أو الغضب.
تحويل الخسائر البشرية إلى شعارات تعبئة سياسية.
وفي حالات مثل حزب الله أو حماس أو حزب العمال الكردستاني، وحتى ضمن خطاب ما يُعرف بمحور “المقاومة” المرتبط بـ إيران، كثيراً ما يتم تقديم فكرة “الصمود” باعتبارها نصراً بحد ذاته، حتى لو كانت النتيجة الفعلية هي خراب المدن، تهجير السكان، انهيار الاقتصاد، أو زيادة عزلة المجتمعات التي يُفترض الدفاع عنها.
المفارقة أن القاعدة الجماهيرية هي التي تدفع الثمن الأكبر دائماً:
أبناء الفقراء هم الذين يموتون في الحروب.
المدنيون هم الذين يعيشون تحت الحصار والدمار.
المجتمعات المحلية هي التي تتحمل الانهيار الاقتصادي والعزلة.
لكن هذه الجماهير غالباً لا يُسمح لها بالتعبير الحر عن الخيبة أو الحزن، لأن الخطاب العقائدي يعتبر الحزن نفسه ضعفاً، ويحوّل أي مراجعة نقدية إلى “طعن بالمقاومة” أو “خدمة للعدو”. وهكذا تصبح الدعاية أهم من الحقيقة، والمحافظة على صورة التنظيم أهم من حياة الناس أنفسهم.
هناك أيضاً جانب نفسي مهم في هذه الظاهرة. فالحركات العقائدية تبني شرعيتها على فكرة “القداسة” أو “الحتمية التاريخية”، ولذلك يصعب عليها الاعتراف بالفشل. الاعتراف بالهزيمة قد يهز ثقة الأنصار ويطرح أسئلة خطيرة:
هل كانت التضحيات ضرورية؟
هل كانت القيادة صادقة؟
هل كان يمكن تجنب الكارثة؟ لذلك يتم اللجوء إلى إعادة تعريف النصر نفسه، بحيث لا يعود مرتبطاً بالنتائج الواقعية بل بمجرد الاستمرار أو “الثبات على الموقف”.
في المقابل، الدول والمجتمعات الناجحة عادةً تتعامل مع الهزائم بطريقة مختلفة:
تعترف بالأخطاء.
تفتح باب النقد والمحاسبة.
تراجع الاستراتيجيات.
تعتبر حماية المجتمع أولوية أعلى من الشعارات.
أما حين تتحول الهزيمة إلى “احتفال دائم”، فغالباً ما تدخل المجتمعات في حلقة مفرغة من التضحيات المتكررة دون أفق حقيقي للحل أو البناء. لأن النتيجة تصبح: مزيداً من الخراب، يقابله مزيد من الخطاب التعبوي، ثم إعادة إنتاج الأزمة نفسها من جديد.