فينوس بابان
يُطرح المنهاج الحكومي لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لا بوصفه خارطة طريق خدمية تقليدية، بل كـ وثيقة اشتباك سيادي تعيد رسم ملامح العلاقة المعقدة بين المركز والأطراف وتضع إقليم كردستان أمام تحدٍّ مصيري يتجاوز لغة الموازنات التقليدية إلى جوهر الكيان الدستوري، إن القراءة العميقة لشخصية الزيدي الملقب بـ رجل الأرقام، تكشف عن استراتيجية التكنوقراط السيادي التي تحاول امتصاص الصدمات الدولية وتبريد الجبهات الداخلية عبر تحويل الأزمات السياسية الكبرى إلى ملفات تقنية جافة وهو ما يمثل سلاحاً ذا حدين للإقليم فبينما يفتح الباب أمام لغة المصالح المتبادلة، فإنه يحمل في طياته خطر المركزية الناعمة التي تسعى لتذويب خصوصية الإقليم الإدارية والمالية عبر بوابة الأتمتة والرقمنة والربط المصرفي الشامل.
إن الإنصاف المفترض في هذا البرنامج ليس منحة سياسية بل هو نتاج واقعية سياسية تدرك أن استقرار بغداد وشرعيتها الدولية يمران حتماً عبر بوابة أربيل بوصفها الشريك الموثوق، ومع ذلك تبرز الخطورة الاستراتيجية في محاولة بغداد استبدال الحوار السياسي الندي بـ الإملاء التقني المركزي وهنا تكمن أولى الرسائل التحذيرية للقيادة الكوردية.. إن تحويل توطين الرواتب ومشروع حسابي من استحقاق قانوني إلى إجراء تقني بحت قد يتحول مستقبلاً إلى ريموت كنترول مالي يُستخدم للضغط على القرار السياسي في أربيل والسليمانية وتجفيف منابع القوة المالية للإقليم عند أي تقاطع للمصالح السيادية، إن الفلسفة الكامنة خلف منهاج الزيدي تقوم على تقنين الصراع أي نقل الخلاف من الشارع إلى غرف التدقيق المالي وهو أسلوب يهدف إلى محاصرة الامتيازات الدستورية للإقليم بإطارات إجرائية خانقة تفرغ الفيدرالية من محتواها وتحولها إلى وظيفة إدارية تابعة لمزاج المركز.
علاوة على ذلك يبرز ملف المناطق المتنازع عليها كحقل ألغام صامت في البرنامج فبينما يتحدث المنهاج عن الأمن المشترك يجب الحذر من تحويل هذا المصطلح إلى غطاء لفرض أمر واقع إداري وعسكري يهمش دور الإقليم في كركوك وسنجار ويقوض المادة 140 تحت ذريعة الاستقرار الفني كما أن غياب الجداول الزمنية الملزمة لتشريع قانون النفط والغاز يمثل ثغرة استراتيجية مقصودة تسمح للمركز بالانفراد بالثروة السيادية تدريجياً وتحويل الإقليم من شريك في رسم السياسة الطاقوية إلى مجرد وحدة إدارية ممتثلة لأوامر بغداد الاقتصادية.
أما النقطة الأكثر خطورة والتي يتجاهلها المنهاج عمداً فهي إصلاح هيكلية المحكمة الاتحادية إن بقاء المحكمة بصيغتها الحالية دون ضمان توازن المكونات يعني استمرار استخدام المطرقة القانونية لضرب أي منجز سيادي للإقليم، الرسالة المبطنة هنا واضحة.. بغداد الزيدي تريد الاستمرار في نهج التشريع عبر القضاء لتجريد الإقليم من صلاحياته الدستورية، مع ضمان وجود غطاء قانوني لكل عملية قضم للحقوق الكوردية، يضاف إلى ذلك غياب أي ذكر لتعزيز التمثيل الدبلوماسي المستقل للإقليم وهذا الصمت ليس عفوياً، بل هو إشارة لنية المركز تقليص الشخصية الدولية لأربيل وحصرها في القنوات المركزية لإضعاف أوراق ضغطها في العواصم الكبرى.
وفي ظل التوازنات الإقليمية المحيطة بـ طريق التنمية يحاول منهاج الزيدي اللعب على حبال التناقضات الدولية، مما يفرض على القوى الكوردية ضرورة صياغة وحدة موقف استراتيجية تتجاوز الخلافات الحزبية، فالرسالة المبطنة في بنود البرنامج هي أن القبول المشروط بحقوق الإقليم هو مجرد وسيلة للمماطلة، إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرفض العلني بل في تلك البنود الفضفاضة التي تُعيد إنتاج ديكتاتورية المركز بأساليب ناعمة وحديثة.
إن منهاج علي الزيدي هو الاختبار الأصعب لمستقبل الفيدرالية في العراق، فهو ليس جسر ثقة بل هو حصان طروادة لمركزية تكنولوجية وقضائية تسعى لاستعادة هيمنة بغداد المطلقة، وفي هذه المعركة السيادية لن تصمد الحقوق التاريخية ما لم تُسند برؤية مؤسساتية صلبة ودبلوماسية أرقام ذكية، تدرك أن السيادة ليست هبة تُمنح في منهاج وزاري بل هي إرادة تُنتزع بفرض التوازن الميداني والقانوني، إن القادم لن يرحم المترددين، فإما أن تظل أربيل قلعة للقرار السيادي الندي، أو أن يُكتب المنهاج الحكومي القادم على أنقاض خصوصيتها الدستورية التي صانتها التضحيات الجسام.