صلاح بكر
في مقالته الفكرية الموسومة “غلبة المُفترَض على المفروض” ينسج الأستاذ فاضل ميراني خيوطاً فلسفيه دقيقه بين ثنائية جدلية تحكم مسارات السياسة والمجتمع ألا وهي ثنائية (المفروض و المُفترَض) بأسلوب أدبي رصين ولغة مكثفة تقطر حكمة، يتجاوز الكاتب حدود النحو التقليدي ليُسقط هذين المفهومين على الواقع التشريعي والسياسي، جاعلاً من المفردات اللغوية مرآة تعكس أزمات التطبيق ومزالق الاجتهاد البشري.
يُعرّف الكاتب “المفروض” بأنه النص الثابت والواجب الاتباع، المرجعية الأصيلة التي نلوذ بها عند اشتداد رياح الاختلاف وتلاطم الآراء. وفي المقابل، يتجلى “المُفترَض” كظلٍ مكملٍ لهذا النص، وهو ما يجب أن يكون في عالم الممارسة والتطبيق. من خلال هذا التأصيل الدلالي العميق، يبرز ميراني كيف أن التناغم المطلق بين النص (المفروض) والتطبيق (المفترض) هو حجر الزاوية في بناء الأنظمة المستقرة، مستشهداً بأمثله حية من الدستور والشريعة لتقريب الصورة وتجسيد الفكرة.
تكمن ذروة الإبداع في المقال حين يغوص الكاتب ببراعة في تشريح التناقضات حيث يُسلط الضوء على الكارثه التي تحل حينما يُبنى “مفترض” سيء ومخالف على “مفروض” جيد وسليم، واصفاً هذا التناقض بأنه “باب الكوارث المُشرعة على المجتمع والدولة” بعبارات تحمل في طياتها روح التمرد المحمود، يدعو ميراني إلى الثورة على “المفروض السيء” الذي يُصادر حقوق الإنسان، معتبراً أن الخروج عنه بمفترض صائب هو عين العقل وجوهر العدالة الحقيقية.
على الصعيد الأسلوبي يتسم المقال بالجزالة والعمق الفلسفي، حيث يوظف الكاتب الجمل التقريرية لترسيخ المفاهيم، مدعومة بتضاد دلالي يثري المعنى ويقويه ( الوضع والتشكل، الصواب والسوء)كما يبتعد بذكاء عن الحشو اللفظي، مقدماً وجبة فكرية دسمة في قوالب لغوية رشيقة تأسر القارئ.
ختاماً لا يكتفي الأستاذ ميراني بتشخيص الداء، بل يقدم روشتة الخلاص بدعوته للأنظمة السياسية إلى استيعاب دروس التاريخ بعمق، مؤكداً أن الدساتير المتحضرة تفقد بريقها وتصبح جوفاء إن ظلت أسيرة التطبيق الانتقائي إنها دعوة صادقة ونبيلة لئلا يغلب “المفترض السيء” “المفروض الجيد” في صرخة فكرية توقظ العقول وتستنهض الضمائر الحية لبناء مجتمعات أكثر وعياً وعدلاً.