التعليم المبكر …وصناعة الشخصية المتوازنة.

تزرين يعقوب سولا

في صباحٍ عابر، وأثناء إحدى جولاتي إلى روضة أطفال، بدأ المشهد لحظة دخولي أحد الصفوف، حيث لم تكن المديرة قد حضرت بعد، ولا المعلمة داخل الصف، رغم هذا الفراغ الظاهري، لم يكن المكان خالياً من الحياة أو المعنى.
ما شدّني انضباط الأطفال وجلوسهم الهادئ، وقد توجّهت أعينهم نحو السبورة.
هناك، كانت طفلة صغيرة تقف بثقة لافتة، تشير بيديها إلى رسمة على السبورة، تشرح أجزاءها لزملائها، وتطرح عليهم الأسئلة، واحدًا تلو الآخر، تطلب منهم المشاركة والإشارة على السبورة.
لم يكن في المشهد أي ارتباك أو فوضى، بل حضور واضح لشخصية قيادية صغيرة ملأت الفراغ، وتصرفت وكأنها مسؤولة عن الموقف.
وعندما سألت الأطفال عن معلمتهم، لم أجد شكوى أو تذمرًا، بل دفاعًا بريئًا و صادقا عن معلمتهم.
قال أحدهم إنها تحضر دائمًا في الوقت المناسب،
وقال آخر ربما تأخرت بسبب ازدحام الطريق.
وحين حضرت المعلمة، اندفع الأطفال نحوها بعفوية لاحتضانها، في صورة تختصر علاقة إنسانية صحية قائمة على الاحترام والمودة.
ذلك المشهد لم يكن مجرد موقف عابر، بل رسالة عميقة عن معنى التربية الحقيقية. فالتعليم ليس مجرد تلقين للمعلومات أو حشوٍ للأذهان ، بل هو قبل ذلك بناءٌ للإنسان، وتنميةٌ لشخصيته، وصقلٌ لقدراته على التفكير والمبادرة والتعبير.
يقول الكاتب ويليام بتلر أن “مهمة التعليم ليست ملء العقول، بل إطلاق إمكانات الإنسان”، وهو ما تجلّى في تلك الطفلة التي قادت زملاءها بثقة.
أن “التعليم الحقيقي هو ما يحرّر الإنسان، لا الذي يقيّده”، في نقد واضح لأساليب التلقين التي تختزل دور الطالب في الحفظ فقط.
الطفلة التي وقفت بثقة لم تُخلق هكذا صدفة، بل نشأت في بيئة تعليمية سمحت لها بالمحاولة، ومنحتها الأمان لتتحدث، وشجعتها على أن تكون فاعلة لا متلقية فقط. هذه هي المدرسة التي نحتاجها، مدرسة تصنع إنسانًا واثقًا، قادرًا على القيادة، متعاونًا مع الآخرين، لا مجرد طالب يحفظ ليؤدي اختبارًا.
إن بناء الشخصية يبدأ من السنوات الأولى، فإذا كانت هذه المرحلة قائمة على التشجيع والاحتواء، أثمرت أفرادًا أقوياء ومتوازنين. أما إذا غلب عليها التلقين والصرامة، فقد تُنتج أجيالًا تحفظ كثيرًا لكنها تفتقر إلى الجرأة والإبداع.
نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم.
ذلك المشهد الصغير يضعنا أمام سؤالًا كبيرًا: ماذا نريد من مدارسنا؟ أطلابًا يحفظون، أم إنسانًا يفكر ويقود ويبدع؟
الإجابة تبدأ من هناك… من طفل صغير يُمنح فرصة، فيصنع منها بداية.

قد يعجبك ايضا