مصطفى طارق الدليمي
في قلب بغداد الخمسينيات وتحديداً في منطقة الصالحية التي تفوح برائحة التاريخ انبعث وميضٌ غيّر وجه المنطقة بأسرها حين دشن العراق أول محطة تلفزيونية في الشرق الأوسط عام 1956 هذا السبق التاريخي مكن بغداد من امتلاك ناصية الصورة قبل الجميع، محولةً ذلك “الصندوق الخشبي” إلى ركن أساسي في البيت العراقي حيث تشكلت من خلاله الهوية البصرية والذائقة الثقافية لأجيال متعاقبة ووضعت العراق في مركز الثقل الإعلامي والريادة الفنية
اعتمد التلفزيون العراقي منذ انطلاقته على تقديم محتوى رصين تجاوز حدود الترفيه السطحي ليمارس دوراً تربوياً عميقاً في صياغة الوعي الجمعي فقد كانت الشاشة بمثابة مدرسة وطنية تجمع العراقيين حول برامج علمية وثقافية ورياضية أيقونية استطاعت تبسيط المعرفة وجعلها في متناول الجميع بأسلوب راقٍ هذه العلاقة الوثيقة بين المشاهد وشاشته الوطنية خلقت نوعاً من الثقة المتبادلة حيث تحول المذيعون والفنانون إلى أفراد من العائلة، يشاركون الناس أفراحهم وهمومهم عبر حوار بصري دافئ ومنضبط
وفي المتن الدرامي نجح التلفزيون العراقي في توثيق تفاصيل الحياة اليومية بصدق مذهل فنقلت المسلسلات والأعمال الفنية نبض الشارع العراقي وصراعاته الاجتماعية بأسلوب واقعي يلامس الروح. هذا الإرث الدرامي شكل خزانة للهوية الوطنية وحافظ على اللهجة والقيم العراقية من الانصهار وسط موجات العولمة المبكرة وبمرور العقود ورغم التحديات الكبرى والظروف الصعبة التي مرت بها البلاد أظهرت هذه المؤسسة العريقة قدرة فائقة على الصمود والتجدد وظل الكادر الإعلامي العراقي يبتكر أدواته من رحم الأزمات ليبقي الشعلة متقدة
يقف التلفزيون العراقي اليوم وهو يستذكر عقوده السبعة أمام بوابة عصر جديد يدمج بين عراقة الماضي وثورات التكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والتلفزة التفاعلية
إن الانتقال نحو الشاشات الذكية التي تدرك احتياجات المستخدم وتحاوره يمثل امتداداً طبيعياً لتلك الريادة الأولى التي بدأت في الخمسينيات فالهدف يظل دائماً هو تطويع التكنولوجيا لخدمة الإنسان وبناء وعيه وتحويل غرف المعيشة إلى منصات معرفية حية تعيد للعراق دوره القيادي في صناعة المحتوى وتؤكد أن الشاشة التي ولدت في الصالحية لا تزال قادرة على قراءة المستقبل بكل ثقة واقتدار
يستمر هذا التدفق التاريخي في ذاكرتنا ليوثق مراحل مفصلية حيث شهدت حقبة السبعينيات العصر الذهبي للإنتاج التلفزيوني العراقي وانتقلت الشاشة من ضيق البث المحلي إلى سعة التأثير العربي في تلك الفترة تحولت استوديوهات الصالحية إلى خلية نحل لا تهدأ وأنتجت أعمالاً درامية خالدة مثل مسلسل “تحت موس الحلاق” الذي لم يقدم كوميديا مجردة وإنما وثّق ببراعة التحول الطبقي والثقافي في الشخصية البغدادية
هذه الشواهد الدرامية جعلت من الشاشة العراقية مرآةً عاكسة للمجتمع وساهمت في تصدير اللهجة والقيم العراقية إلى المحيط الإقليمي بأسلوب فني رفيع
ومع دخول الثمانينات واجه التلفزيون العراقي تحدي الثبات وسط العواصف فبرزت برامج نوعية استطاعت الحفاظ على توازنها المعرفي رغم طغيان الخطاب الحربي وظلت برامج مثل “العلم للجميع” والرياضة في أسبوع تمثل واحات من الوعي المستقر حيث ارتبطت أسماء “كامل الدباغ “ومؤيد البدري “في ذهنية المواطن بالموثوقية والرقي كانت تلك الوجوه تمثل السلطة المعرفية التي يثق بها الجمهور مما عمق من سيكولوجية الارتباط بالشاشة الوطنية وجعلها المصدر الأول والوحيد للحقيقة في زمن كان فيه الخبر “مقدساً” والصورة “وثيقة”
تجلت قدرة الإعلام العراقي على الابتكار في مرحلة التسعينيات إذ رغم الحصار الخانق ونقص المعدات التقنية استمر العطاء عبر ابتكار حلول هندسية وبرمجية محلية أبقت البث مستمراً في هذه المرحلة برزت قوة الدراما الإنسانية التي لامست أوجاع الناس اليومية وأثبت الفنان العراقي أن الإبداع لا يحتاج دائماً إلى ميزانيات ضخمة بقدر حاجته إلى صدق التجربة هذه المرحلة وثقت صمود المؤسسة الإعلامية وقدرتها على “التكيف الاستراتيجي” حيث تحول التلفزيون إلى رفيق لليالي العتمة ومصدر للأمل في استعادة دور العراق الريادي
وصولاً إلى اللحظة الراهنة يجد التلفزيون العراقي نفسه أمام استحقاق التحول نحو “الذكاء الاصطناعي” ودمج التقنيات التفاعلية التي ناقشناها سابقاً ليكون امتداداً طبيعياً لتلك الريادة التي بدأت قبل سبعة عقود
إن استحضار مراحل مثل “تأسيس قناة العراقية” وتعدد المنصات بعد عام 2003 يمثل فصلاً جديداً من فصول التعددية والانفتاح حيث لم يعد التلفزيون مجرد جهاز استقبال بل صار منصة حوارية كبرى
هذا التطور يفرض ضرورة العودة إلى أسس المحتوى
والتركيز على جودة الرسالة الإعلامية لضمان بقاء الشاشة العراقية فاعلة في عصر الترند الرقمي ومحافظةً على قيمتها التاريخية كأول نافذة مرئية عرفها الشرق الأوسط