فينوس بابان
في الثالث من مايو، وبينما يحتفي العالم بمواثيق حرية الصحافة كقيمة إنسانية كبرى نجد أنفسنا أمام اختبار وجودي يتجاوز بروتوكولات الاحتفال إذ لم تعد المعركة اليوم هي معركة الوصول إلى المعلومة بل هي معركة حماية العقل الجمعي من التلوث المعلوماتي الذي تمارسه الصحافة التجارية والمنصات الشعبوية، إن حرية الصحافة تتعرض اليوم لعملية اختطاف ممنهجة حيث تُستغل الحرية كغطاء لتحويل الكلمة إلى سلعة للمزايدة أو قنبلة موقوتة تُفجر الاستقرار المجتمعي حين تنفصل عن عروتها الأخلاقية وتصبح مجرد وسيلة لتحصيل الشهرة السريعة أو تغيير الواقع بقوة الصدمة لا بقوة الحجة.
إن الخطورة الكبرى تكمن في خروج الصحافة عن دورها التنويري لتصبح أداة لترويج العنف، فالتغطيات غير المسؤولة لمشاهد القتل والنزاعات في بيئة حساسة كالشرق الأوسط تتجاوز كونها نقلاً للواقع لتصبح صناعة للإرهاب الفكري، إن الإفراط في نشر محتوى العنف، سواء في سياق الحروب أو المشاكل الاجتماعية يولد حالة من الاعتياد لدى الأجيال الناشئة ويغرس في وعيها بذور التطرف، وهو ما يخرج تماماً عن نطاق الحرية ليدخل في دائرة التأسيس لدمار مجتمعي طويل الأمد، الصحافة في جوهرها هي فن الأخلاق وهذا الفن يقتضي من الممارس أن يدرك أن الرسالة الإعلامية التي يحتاجها مجتمعنا اليوم هي تلك التي تمارس دور منارة الوعي التي تسلط الضوء على آفاق التقدم العلمي وتطورات التكنولوجيا، والمنجزات الاقتصادية بدلاً من الانجرار خلف صحافة الفضائح التي تكرس ثقافة الهدم والإحباط.
ومن منطلق فلسفي واستراتيجي يجب أن ندرك يقيناً أنه لم يُولد إنسان وهو يعرف كل شيء ولم يُولد بلد وفيه كل مقومات الكمال منذ اللحظة الأولى، البناء عملية تراكمية، وعندما نرى بذرة نجاح تولد داخل شخص أو تبزغ في أفق بلد فإن واجب الصحافة الأخلاقي والوطني هو مباركة هذا المنجز ورعايته لا السعي لكسره تحت ذريعة النقد، إننا نرى اليوم إقليم كوردستان ينافس دول الجوار والعالم في ملفات الاقتصاد والمشاريع الاستراتيجية، واحتضان العقول الشبابية المتمكنة وبالرغم من أنه لا يوجد مكان أو شخص يخلو من الأخطاء أو النقص، إلا أن التركيز على نقاط القوة واحترام جهود من يقفون وراء هذا التقدم يسهّل مهمة الصحافة في دفع عجلة المجتمع نحو الأمام، إن صحافة البناء هي التي تدرك أن تسليط الضوء على النجاح هو وقود للاستمرار بينما الإمعان في كسر المنجزات الناشئة لا يخدم سوى أجندات التراجع.
ومن زاوية السيادة الرقمية فإن غياب هذا الإعلام الوطني الرصين الذي يبرز جمال التطور التكنولوجي والبنائي يجعل المجتمع مكشوفاً تماماً أمام الأجندات الخارجية؛ فعندما يترك الإعلام المحلي فراغاً في المحتوى الاستراتيجي والهادف، تملأه منصات خارجية عابرة للحدود تستهدف استقرار الإقليم والدولة عبر بث سموم الفرقة واليأس، إن حماية السيادة الوطنية اليوم تبدأ من امتلاك رواية إعلامية قوية ومسؤولة تحصن الجبهة الداخلية من الاختراقات الثقافية والفكرية.
علاوة على ذلك، يبرز وجه آخر لعدم المسؤولية الإعلامية في الترويج لنماذج الرفاهية الزائفة والنجاح الذي يأتي بـسرعة البرق دون تعب أو مثابرة. هذا التضليل يولد ضغطاً نفسياً هائلاً على العقول الشابة ويخلق حالة من الاغتراب حين يصطدم الواقع بطموحات واهمة رسمتها منصات تبحث عن المشاهدات فقط، هنا تكمن مسؤولية الصحافة النزيهة في إعادة الاعتبار لقيمة الجهد والابتكار وتوضيح أن النهضة الحقيقية هي نتاج تراكم معرفي وعلمي رصين وليست سراباً تسوقه المحتويات الهابطة.
إن هذا الانفلات يحتم على الأسرة الصحفية التوجه نحو التشريع الذاتي فمن مصلحة المهنة أن يضع الصحفيون بأنفسهم مواثيق شرف صارمة تضبط الأداء وتحمي المهنة من الدخلاء والأدوات التجارية وذلك قبل أن تضطر القوانين والتشريعات لفرض قيود قد تمس جوهر الحرية إن الحصانة الذاتية للصحافة هي الضمانة الوحيدة لاستمرارها كشريك استراتيجي في بناء الدولة وحماية أمنها القومي.
إن الفارق الجوهري بين الصحافة المسؤولة وبين الديماغوجيا الإعلامية يكمن في الرؤية الاستراتيجية فبينما تسعى الصحافة الحرة إلى تقوية الدولة عبر دبلوماسية ناعمة تحفز المبدعين، نجد في المقابل إعلاماً يقتات على إثارة الغرائز وتزييف الوعي، إننا بحاجة إلى ثورة وعي تجعل من قصص النجاح في البنية التحتية والتحول الرقمي والمكانة الدبلوماسية المرموقة هي التريند الحقيقي. إن الحرية الحقيقية ليست صكاً مفتوحاً للفوضى بل هي التزام طوعي يضع مصلحة المجتمع واستقرار أجياله فوق الأرباح التجارية، حماية الصحافة تبدأ بتطهيرها من العبث الذي يغذي العنف وإعادة القلم ليكون أداة لصناعة الحياة والجمال، مؤمنين بأن الكلمة التي لا تبني مجتمعاً مستقراً ومبتكراً، هي كلمة قد خانت أمانتها التاريخية قبل مهنيتها الصحفية.