سمير السوره ميري
كانت مدينةٌ هادئة، يحيط بها جدارٌ من الصمت، وكان سوقها الوحيدة أسفل القلعة التي يقطنها أهلها، صباحا ينزل الرجال إلى أعمالهم اليومية، فالفلاح يذهب إلى أرضه، والبقية يمارسون حرفهم، بقال وقصاب ونجار و دباغ و بائع التبغ و حداد وغيرها من المهن.
وكانت قوافل فلاحي القرى تفد إليها كل صباح، محمّلة بمنتجات الريف من الألبان ومشتقاتها، و الدواجن والبيض والمواشي، لبيعها وشراء ما يحتاجونه من أدوات بسيطة، وأرزاق من رز وسكر وشاي، وعند حلول الظهيرة، يجتمعون عند رصيف مطعم الكباب، الذي اشتهرت به المدينة، حتى شاع بينهم القول: من لم يأكل كبابها، فكأنه لم يزرها، وبعد وجبتهم، يعودون إلى قراهم، تاركين خلفهم مدينةً تعمل بصمت، تتوسطها منارة جامعٍ في قلب السوق.
وكان لهذه المدينة حكايةٌ أُخرى جميلة، فقد إعتاد أهلها، مع بداية كل ربيع، إستقبال ضيفين عزيزين: زوجين من اللقالق، يتخذان من قمة مئذنة جامع السوق، عشا لهما منذ أجيال، بنيا عشهما هناك، حتى بلغ أرتفاعه قرابة المتر، وكل جيلٍ منهما يضيف إليه لمسته، حتى صار هذا العش مأوى للعصافير و طيور أُخرى.
أحب أهل المدينة هذين الضيفين، وصار منظر العش بمثابة روحٍ ثانية لهم، يترقّبون عودتهما كل عام بقلقٍ وشوق، ويتابعون نمو صغارهما، وجهاد الأبوين في إطعامهما، وكان هذا الحديث اليومي ينتقل من مجالس الرجال إلى البيوت، فتتناقله النساء والأطفال.
ومع نهاية الربيع ينسدل المشهد برحيل اللقالق الأربعة، ويبقى العش مسرحا للعصافير، تزقزق عند الغروب، كأنها تتحدث عن يومها، ثم تهدأ شيئا فشيئا، ويعود القلق ليخيّم على المدينة، انتظارا لعودتهما، فتستمر الحياة على هذا الإيقاع.
مرت أعوام، وأصبحت اللقالق جزءا من حياة المدينة، حتى هبت رياحُ عاتية، حطّمت جدار الصمت الذي كان يحيط بها، استبشر الناس خيرا، لكن في فوضى تلك الرياح، انفلت ضمير أحد أبنائها، فارتكب فعلا شنيعا، وقضى على إحدى أجمل أيقونات المدينة في لحظة غفلة، كانت تلك الحادثة وخزةً عميقة في ضمير المدينة.
جاء الخريف ثم مضى الربيع، ولم يعد الضيفان، عاما بعد عام، ظل الأمل قائما بأن يعود العش حيا من جديد، مازالت المنارة تنتظر عودتهما، حاول أهل المدينة مرارا أن يجلبوا لقالق صغيرة، أرادو أن يقنعوا السماء بالعودة، لكن السماء لا تعود إلى ما كُسر، لعل ترجع الحياة إلى منارة، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، إذ كانت تكبر وترحل دون أن تلتفت إلى المنارة.
نظر شيخٌ إلى المئذنة، كان قد رافق هذا العش حياته، قال: لن يعود ، لأنها رأت مافعلناه… ولم تنس، وهكذا ترسخت في وجدان المدينة عقدة موجعة، حين ينهك ضميرُ الفرد ضمير الجماعة، تولد عقدة ألمٍ كبيرة، يمكن تسميتها عقدة اللقلق.