ذياب مهدي ال غلام
استهلال:
اهداء للفنان والاديب ميري عريعر الحميداوي: يا صديقي إنَّ استحضار قامة فنية مثل الراحل “عقيل الأوسي” ليس مجرد استذكارٍ لاسمٍ عابر بل هو استنطاق لذاكرةِ الفن العراقي في أبهى تجلياته وحوار مع خيول ما زالت تصهل في أرواحنا رغم غياب صاحب الريشة. بناء على ما تفضلت به في مقالك المنشور في صفحة “ناسنا الطيبين” وما يحمله هذا الفنان من إرث يجمع بين صرامة الأكاديمية ونعومة الإبداع كتبت لك هذه السردية التي تمتزج فيها خيالات الفروسية بواقعية الألم والأمل:
(( عقيل الأوسي: صهيل الخيل في مهبّ الذاكرة))
في “الشامية” حيث يعانق أرزُ العنبرِ ضفاف الفرات ولد فن مختلف هناك لم يكن عقيل الأوسي مجرد رسام بل كان مترجماً للروح في أسمى صورها حين تتأمل لوحاته لا ترى مجرد ألوان على قماش بل تسمع وقع حوافر الخيول وهي تقطع المسافات بين “واقعية” الفن العراقي الأصيل و”رومانسية” باريس التي صقلت موهبته في السوربون وهكذا احلل وافكك ابداعه وبنيويته الفنية:
1. سيمفونية اللون والصهيل
لقد كان عقيل ذلك التلميذ النجيب الذي نحت في ذاكرته وهج أستاذه العالمي فائق حسن يمتلك “بصمة” لا تخطئها العين لقد اكتشف في باريس لوناً خاصاً سُجّل باسمه في سجلات الخلود الفني لونٌ يجمع بين دكنة الأرض وضوء الشمس ( احمر فائق حسن ) وهكذا اتخذ فناننا عقيل عمله النحتي الفلاح بين صمود الفلاح وكبرياء الخيل. في لوحاته كانت الخيول لا تركض في إطار اللوحة بل كانت تخرج منها لتنشر صهلاً يملأ صالونات باريس وبيوتات الخليج ومتاحف المنطقة محققة معادلة الفن الصعبة: الأصالة المحلية واللغة العالمية
2. الفلاح: النصب الذي خذله “التخلف”
إنَّ قصة “نصب الفلاح” في الشامية هي جرح في خاصرة الجمال لم يكن هذا التمثال مجرد عمل برونزي أو صخري بالحجم الطبيعي بل كان تجسيداً لكرامة الأرض التي تنبت “العنبر” حين صبّ عقيل روحه في ذلك النصب كان يرسم هوية المدينة ولكن، حين امتدت يد الجهل والتشدد لتطال هذا الصرح فإنها لم تهدم “تمثالاً”، بل حاولت – واهمة – هدم رمزية الفن في الفضاء العام لقد كان هدمه لحظة انكسار لكنها انكسار لم يسلب عقيل فنّه بل حوّل ألمه إلى إبداع أكثر كثافة في لوحاته؛ فكأنّ كل ضربة فرشاة من بعد ذلك اليوم كانت محاولة لإعادة بناء النصب في عقولنا وقلوبنا.
3. إرث عابر للحدود
اليوم وبينما نستحضر سيرة الراحل ندرك أنَّ أعماله باتت تحفاً تتناقلها الأجيال إنه الفنان الذي لم يكتف برسم الخيول بل روّض الريشة لترسم أحلامه هو لقد ترك لنا عقيل الأوسي إرثاً يسكن في قصور الملوك ونوادر المتاحف وبقي صوته الفني يتردد في كل زاوية من زوايا مدينتنا التي لا تنسى أبناءها المبدعين.
يا صديقي ميري ابو جعفر: إن كان النصب قد هُدِم فإن “العنبر” في الشامية لا يزال يفوح وخيول عقيل في لوحاته لا تزال تركض في ميادين الخلود لقد رحل عقيل لكنه ترك لنا حقيبة من الألوان والجمال لنظل نحن من بعده نحرسُ هذا الجمال من رياح الجهل ونعيد رسم ملامح “الفلاح” في كل قصيدة أو لوحة نخطها.
عقيل الأوسي لم يمت هو فقط انضمّ إلى قافلة الفنانين الخالدين الذين يرسمون السماء ليطلوا علينا من هناك يراقبون خيولهم وهي تجوب آفاق الإبداع.. وعيونها للعراق ولشاميتنا فخرا وذكريات
الصورة انا وعقيل في 1974 بغداد قاعة الفنون الجميلة المعرض السنوي..