العراق بين المحاصصة واستحقاق الشراكة: هل تنجح بغداد في استعادة ثقة أربيل؟

د. نورالدين خوشناو

تشهد الساحة السياسية العراقية مرحلة دقيقة، في ظل تكليف رئيس وزراء جديد بتشكيل حكومة قادرة على تجاوز حالة الانسداد السياسي التي عانت منها البلاد خلال الفترة الماضية. وتأتي زيارته المرتقبة إلى أربيل كخطوة محورية لإعادة بناء الثقة مع إقليم كوردستان، وخاصة مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي يُعد أحد أهم الفاعلين في المعادلة السياسية العراقية.
غير أن أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط في بعدها التفاوضي، بل في كونها اختباراً حقيقياً لطبيعة النظام السياسي العراقي، وقدرته على الانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الشراكة الوطنية الفعلية.
منذ عام 2003، تشكّل النظام السياسي في العراق على أساس توزيع المناصب العليا وفق معادلة غير مكتوبة، حيث يتولى رئاسة الوزراء ممثل عن المكون الشيعي، ورئاسة البرلمان ممثل عن المكون السني، بينما تُسند رئاسة الجمهورية إلى المكون الكوردي. وقد كان الهدف من هذه الصيغة تحقيق التوازن ومنع الصراع، لكنها مع مرور الوقت تحولت إلى آلية لتقاسم السلطة بين القوى السياسية، بدلاً من أن تكون إطاراً لبناء دولة قائمة على المواطنة.
هذا التحول انعكس بشكل واضح على أداء الحكومات المتعاقبة، حيث أصبحت الوعود التي تُطرح قبل تشكيل الحكومات تختلف بشكل كبير عن الواقع بعد نيل الثقة البرلمانية. ففي كل دورة سياسية، يتم التأكيد على احترام الدستور وتعزيز الشراكة، لكن التنفيذ غالباً ما يصطدم بعقبات سياسية أو تفسيرات متباينة داخل البرلمان، مما يؤدي إلى تعطيل العديد من الملفات، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين بغداد وأربيل.
ويُعد ملف رئاسة الجمهورية مثالاً واضحاً على هذا الاختلال. فرغم أن هذا المنصب يُعتبر عرفاً من حصة الكورد، إلا أن آلية اختياره لم تعد تعكس توافقاً كوردياً موحداً، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات داخل البرلمان العراقي. ففي بعض الحالات، يتم حسم هذا المنصب من خلال تحالفات سياسية خارج الإطار الكوردي، أو نتيجة انقسامات داخلية، وهو ما يُضعف من فكرة الشراكة الحقيقية ويحوّل المنصب إلى أداة تفاوض سياسي.
إلى جانب ذلك، يبرز الملف الأمني كأحد أكثر التحديات حساسية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الحكومة العراقية لم تتمكن بشكل كامل من فرض سيطرتها على جميع الجماعات المسلحة، وهو ما انعكس في حوادث استهدفت مناطق داخل إقليم كوردستان دون رد حاسم من الدولة. وهذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم السيادة، ودور الحكومة في حماية جميع مكونات البلاد دون تمييز.
من الناحية الدستورية، يُعد إقليم كوردستان جزءاً من العراق، ومن واجب الحكومة الاتحادية أن تضمن أمنه واستقراره. لكن في الواقع، تبدو العلاقة بين الطرفين أقرب إلى حالة تفاوض مستمر، بدلاً من شراكة مستقرة قائمة على الثقة المتبادلة. وهذا ما يدفع القوى الكوردية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكوردستاني، إلى تبني موقف حذر، يقوم على المشاركة المشروطة بضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.
ولا يمكن فصل هذه التحديات عن السياق الإقليمي والدولي، حيث يشكل العراق ساحة لتقاطع مصالح قوى متعددة. فإيران تمتلك نفوذاً سياسياً وأمنياً داخل البلاد، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى موازنة هذا النفوذ، بينما تتابع تركيا عن كثب التطورات في شمال العراق، خاصة فيما يتعلق بالملف الأمني. هذا التداخل يجعل القرار العراقي في كثير من الأحيان مرتبطاً بتوازنات خارجية، ما يحد من استقلالية القرار الوطني.
في هذا الإطار، تكتسب زيارة رئيس الوزراء المكلف إلى أربيل أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها خطوة تفاوضية، بل كفرصة لإعادة صياغة العلاقة بين بغداد وأربيل على أسس أكثر وضوحاً وشفافية. فإذا ما نجحت هذه الزيارة في تحقيق تفاهمات حقيقية، قد تمهد الطريق لتشكيل حكومة أكثر استقراراً، قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
لكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على عامل أساسي، وهو القدرة على الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الالتزامات الفعلية. فالتجارب السابقة أظهرت أن المشكلة لا تكمن في غياب الاتفاقات، بل في ضعف تنفيذها.
في النهاية، يقف العراق أمام لحظة حاسمة. فإما أن يستمر في نظام المحاصصة الذي أثبت محدودية قدرته على تحقيق الاستقرار، أو أن يتجه نحو بناء دولة قائمة على المواطنة، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مبدأ الشراكة الحقيقية بين جميع مكوناته.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل سيتم تشكيل الحكومة؟
بل: هل ستكون هذه الحكومة مختلفة فعلاً عما سبقها؟

قد يعجبك ايضا