هيمنة الأحزاب الدينية في العراق واستحالة بناء دولة وطنية حديثة جامعة

عواد علي

لا يمكن الحديث عن مستقبل العراق ومسارات نهضته من دون الغوص في عمق الإشكالية البنيوية التي تعيق تقدمه منذ ما يزيد على عقدين من الزمان. إن بقاء الأحزاب الدينية في سدة الحكم يمثل العائق الأكبر أمام بناء دولة مدنية حديثة، ولن تقوم للعراق قائمة طالما ظلت هذه القوى هي المحرك الأساسي للقرار السياسي.
تكمن المعضلة الأولى في طبيعة الأحزاب الدينية التي تعتمد في شرعيتها على “التمثيل الإلهي” أو “الواجب المذهبي” بدلاً من البرامج الاقتصادية والاجتماعية. فعندما يتحول الدين من علاقة روحية بين العبد وخالقه إلى أداة للصراع على السلطة، يحدث شرخ عميق في مفهوم المواطنة.
إن انقسام الهوية بدلاً من الانتماء للوطن يحصر المواطن في خنادق طائفية ضيقة، مما يضعف الجبهة الداخلية. كما أن استخدام الغطاء الديني يجعل من انتقاد الحاكم “خروجاً عن الملة” أو استهدافاً للمذهب، مما يعطل آليات الرقابة والديمقراطية.

لقد أثبتت التجربة في العراق أن الشعارات الدينية لم تمنع استشراء الفساد المالي والإداري، بل كانت في أحيان كثيرة غطاءً له. إن نظام “المحاصصة” الذي أرسته هذه الأحزاب لم يبنِ مؤسسات، بل بنى إقطاعيات حزبيةً تتقاسم موارد الدولة.

إن الدولة التي تدار بعقلية الغنيمة والمظلومية التاريخية لا يمكنها أن تضع خططاً استراتيجيةً للتنمية المستدامة، لأن أولويتها هي البقاء في السلطة وتغذية ماكيناتها الحزبية.

في ظل هيمنة الأحزاب الدينية، تراجعت المعايير المهنية لصالح “الولاء الحزبي”. وجرى استبدال التكنوقراط وأصحاب الخبرات بشخصيات تفتقر للرؤية الإدارية، مما أدى إلى:
– تدهور القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة.
– هجرة العقول العراقية إلى الخارج بحثاً عن بيئة تحترم الكفاءة.
– فرض أجندات أيديولوجية في المناهج التربوية، مما قلل من قدرة الأجيال الصاعدة على مواكبة الحداثة العالمية.

ارتبطت معظم الأحزاب الدينية في العراق بامتدادات إقليمية، مما جعل القرار العراقي رهيناً للصراعات الدولية. إن تقديم مصلحة “المحور” أو “المذهب العابر للحدود” على مصلحة العراق الوطنية أدى إلى تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات، وهو ما يمنع استقرار الدولة أو قيامها ككيان مستقل وقوي.
يتطلب النهوض بالعراق فصلاً واضحاً بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية. الدولة المدنية لا تعني معاداة الدين، بل تعني أن القانون هو الفيصل، وأن الكفاءة هي المعيار، وأن المواطنة هي الرابط الوحيد بين الأفراد.

متطلبات التغيير:
– قانون أحزاب صارم يمنع تشكيل الأحزاب على أسس طائفية أو دينية.
– إصلاح النظام الانتخابي لضمان وصول وجوه جديدة بعيدة عن هيمنة الكتل الكبيرة.
– تعزيز الهوية الوطنية من خلال إعلام ومناهج تركز على “العراق أولاً”.

إن العراق، بتاريخه العريق وموارده الهائلة، يمتلك مقومات العودة إلى مصاف الدول المتقدمة. لكن، تبقى الحقيقة المرة أن “القائمة لن تقوم” ما لم يدرك المجتمع والقوى السياسية أن قدسية الدين مكانها القلوب والمساجد، أما إدارة الدولة فهي علم وفن ومسؤولية قانونية تتطلب عقولاً منفتحةً لا تقيدها الأيديولوجيات الجامدة. التغيير يبدأ من كسر طوق التبعية الدينية في السياسة، والعبور نحو ضفة الدولة الوطنية الجامعة.

قد يعجبك ايضا