مهند الصالح
لطالما ارتبطت السياسة، في نشأتها الحديثة، بالفكر قبل أي شيء آخر. فقد كانت الأحزاب تُبنى على أسس فلسفية واضحة، يقودها مثقفون ومنظّرون يمتلكون رؤى عميقة حول المجتمع، الدولة، والإنسان. لم تكن السياسة مجرد إدارة مصالح آنية، بل مشروعًا متكاملاً يسعى لتشكيل المستقبل. لذلك برزت تيارات كالشيوعية والرأسمالية والإسلام السياسي، ولكل منها فلاسفته ومنظّروه الذين وضعوا الأسس النظرية، ووجّهوا الجماهير نحو أهداف محددة.
في تلك المرحلة، كان المثقف جزءًا لا يتجزأ من العمل السياسي؛ يخطّ البرامج، ويحلل الواقع، ويستشرف المستقبل. وكانت الأحزاب، رغم اختلافها، تحمل تصورات واضحة عن العدالة، الاقتصاد، والهوية. وقد ساهم هذا التمازج بين الفكر والسياسة في بناء دول ومجتمعات حققت تقدمًا ملحوظًا على المستويات الصناعية والزراعية والثقافية.
أما اليوم، فيبدو المشهد مختلفًا إلى حد كبير. فقد تراجع حضور الفكر لصالح النفوذ المالي، وأصبحت العديد من الأحزاب تُدار بعقلية استثمارية أكثر منها فكرية. لم يعد المنظّر أو المثقف يحتل موقعه السابق، بل حلّ محله صاحب رأس المال، الذي يمتلك القدرة على التمويل والتأثير الإعلامي وصناعة الصورة. ونتيجة لذلك، تراجعت البرامج الفكرية العميقة، وحلّت محلها شعارات عامة وخطابات آنية تستهدف كسب التأييد السريع.
هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الفكر، لكنه يشير إلى تهميشه. فالأحزاب التي تُبنى على المال وحده غالبًا ما تفتقر إلى هوية فكرية متماسكة، ما يجعلها أكثر عرضة للتقلب والتناقض. كما أن غياب الرؤية الفكرية يقلل من قدرتها على إحداث تغيير حقيقي ومستدام في المجتمع.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن المال وحده قادر على قيادة المجتمعات إلى برّ الأمان. فالمال، رغم أهميته، يظل أداة لا غاية. يمكنه أن يدعم مشروعًا فكريًا، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محله. فالمجتمعات لا تُبنى فقط بالمصالح، بل تحتاج إلى قيم وأفكار تمنحها الاتجاه والمعنى.
في الختام، يبدو أن العلاقة بين الفكر ورأس المال في السياسة المعاصرة تشهد اختلالًا واضحًا، حيث يميل الميزان لصالح المال. لكن هذا لا يلغي الحاجة المستمرة إلى الفكر، بل ربما يعيد التأكيد عليها. فالتاريخ يثبت أن أي مشروع سياسي يخلو من رؤية فكرية عميقة، مهما امتلك من موارد، يظل هشًا وعرضة للانهيار.