إسماعيل حقي شاويس… سيرة رجل حمل وطنه في الذاكرة والكلمة

محمد علي محيي الدين

وُلد إسماعيل حقي شاويس عام 1896، ورحل عن الدنيا سنة 1976، تاركًا وراءه أثرًا غنيًا في ميادين الدعوة الوطنية والعمل الثقافي الكردي. كان رجلًا متعدد المواهب، جمع بين الروح النضالية والاهتمام العميق بالتراث، فغدا من رواد جمع الأمثال الكردية وصونها، ومن الأصوات التي سعت إلى ترسيخ هوية لغوية وثقافية لشعبه.
نشأ في الموصل، وتنقّل في طلب العلم بين السليمانية وبغداد، قبل أن يشدّ الرحال إلى إسطنبول حيث التحق بالكلية الحربية، ليتخرج ضابطًا في الجيش العثماني. خاض غمار حرب البلقان، وهناك ذاق مرارة الأسر على يد القوات اليونانية، ثم عاد ليشارك في الحرب العالمية الأولى، لكنه وقع مرة أخرى في الأسر، هذه المرة لدى القوات البريطانية، ونُفي إلى الهند. كانت تلك التجارب القاسية مدرسة إنسانية عميقة، صقلت شخصيته ووسّعت أفقه، فحوّل لاحقًا معاناته إلى حكايات وقصص نشرها في الصحف والمجلات.

بعد انتهاء الحرب، عاد إلى السليمانية، حيث وقف إلى جانب انتفاضات الشيخ محمود الحفيد، مؤمنًا بحق شعبه في الحرية. وفي عام 1928، التحق بالجيش العراقي، ثم أُحيل إلى التقاعد، لينتقل إلى العمل الإداري، فعُيّن قائممقامًا في عقرة سنة 1936، ثم في مخمور عام 1939، وبعدها في راوندوز عام 1940، قبل أن يُفصل من وظيفته.
لم تكن الوظيفة الرسمية سوى محطة عابرة في حياته، إذ انصرف بشغف إلى الكتابة والبحث، فنشر مقالاته وأبحاثه في الصحافة الكردية، واهتم بتدوين التاريخ الكردي ووضع أسس الكتابة بلغته الأم. وكان من أوائل من أولوا الفولكلور الكردي عناية خاصة، فأصدر عام 1933 كتابه “الأمثال والحكم وأقوال العظماء الفلسفية”، ثم أتبع ذلك عام 1936 بكتاب “خرافات القدماء والألغاز وحلولها”، وكلاهما باللغة الكردية، فضلًا عن مخطوطات عديدة من بينها “الألفباء الكردية”، التي تعكس جهوده في تقعيد اللغة.
وفي عام 1961، شارك في مؤتمر شعوب الشرق الأوسط الذي عُقد في باكو، مؤكدًا حضوره في المحافل الفكرية والسياسية. وقد تميز بإتقانه عدة لغات، منها الفرنسية والعربية والتركية، إلى جانب لغته الكردية، مما أتاح له الاطلاع على ثقافات متعددة والتفاعل معها.

كان أيضًا من المؤسسين لجمعية الأخوة الكردية (برايتي) عام 1937، وهي جمعية هدفت إلى توحيد الصف الكردي والسعي نحو التحرر والاستقلال. ضمّت نخبة من الشخصيات الوطنية، وتعاهد أعضاؤها على الإخلاص لقضيتهم، وسعوا إلى بناء شبكة من العلاقات مع المثقفين والوطنيين. وقد نقل إسماعيل حقي بنفسه معاناة الكرد إلى ممثلين دبلوماسيين، في محاولة لإيصال صوت شعبه إلى العالم، غير أن الجمعية لم تحقق أهدافها السياسية في نهاية المطاف.
لم يكن إرثه مقتصرًا على الفكر والنضال، بل امتد إلى أسرته، فهو والد السيدة زكية إسماعيل حقي شاويس، التي واصلت مسيرة العمل الوطني، وتبوأت مواقع قيادية في الحزب الديمقراطي الكردستاني واتحاد نساء كردستان.
هكذا تتجلى سيرة إسماعيل حقي شاويس بوصفها حكاية إنسان آمن بقضيته، وعاش بين السلاح والقلم، بين الأسر والحرية، وبين الحلم والواقع، لكنه ظل وفيًا لذاكرته وهويته، مسهمًا في حفظ تراث شعبه وإبقاء صوته حيًا عبر الأجيال.

قد يعجبك ايضا