كتابة و اعداد / دلزار اسماعيل رسول
من الكتب التي قرأتها و عمري لم يتجاوز السادسة عشرة، الكتاب الضخم (قصة الايمان) الذي يقع في (450) صفحة وقد أنهيتها في مدة زمنية قصيرة جدا ، و رغم كثرة صفحاتها، تراني أقلبها شغفاً للمزيد منها، ففي تلك المرحلة من المراهقة، كان يلفنا الكثير من الافكار الجديدة على مخيلتنا الغضة ، فتراك محاطا بالكثير من الاحزاب و التكتلات التي لم تكن موجودة سابقا ، وبين ليلة و ضحاها قد بانت على وجه الارض ، يناقشك فيها أصحابها وهم يحاولون فرض أفكارهم عليك و بسط نفوذهم على وجدانك ، و أدخالك الى خانة مجموعتهم أو حزبهم، لذلك كان يلفنا الكثير من الافكار المتشابكة التي كانت تقض مضجعنا و تعيق دراستنا الثانوية، فلقد كنا نقرأ الكتب الخارجية أضافة الى كتب الدراسة الاعدادية، وكانت هذه الكتب الخارجية تردنا من جهات عدة ، لم نكن قد سمعنا بها قبلاً ، ولكنهم كانوا يستهدفوننا للحصول على ودهم و الدخول الى خانتهم….
لذلك كنا في صراع روحي مرير، يجتاجنا الكثير من الاسئلة المحيرة التي لم نستطع أن نجد الاجوبة الشافية الكافية على قلوبنا الطرية النقية، لذلك كنا نلجأ الى تلك الكتب علّنا نجد فيها ما يروي ظمأ روحنا و يشفي صدورنا من وطأة ما نجده من علقم هجوم تلك الافكار و التيارات و الاحزاب ….
فترى حيراناً مثلنا يأوي الى كهف ليجد فيها مبتغاه ، فيلسوفا حكيما ، يجيب على كل الاسئلة التي تحيره و يهديه الى جادة الصواب بعد أن حاد عنها، و يبرد صدر ذلك الحيران بكلمات هي كبلسم شافي على روحه و قبله …رحلة اليقين في “قصة الإيمان”.. حين يصافح العقلُ القلب.
في خضم التجاذبات الفكرية التي يشهدها عصرنا الراهن، وبين أمواج المادية الطاغية التي تحاول اجتياح الروح، يبرز كتاب “قصة الإيمان” للشيخ الراحل نديم الجسر كمنارة شامخة، لا لكونه مجرد مؤلف في العقيدة، بل بوصفه ملحمة عقلية صيغت بأسلوب أدبي ساحر، تجمع بين صرامة المنطق وعذوبة البيان.
حوار الأجيال والبحث عن الحقيقة
لم يختر الجسر لغة الوعظ المباشر أو المتون الجافة، بل اتخذ من “الرواية الحوارية” مِهاداً لأفكاره. فمن خلال تلك الحوارات المتخيلة بين الشاب “حيران” والشيخ “المتزن”، نجد أنفسنا أمام رحلة إنسانية تبحث عن الجواب الأكبر. إنها رحلة تبدأ من القلق الفطري، وتمر عبر دهاليز الفلسفة اليونانية، وصولاً إلى فضاءات العلم الحديث، لتنتهي في رحاب الطمأنينة القرآنية.
العلم والدين: صلحٌ لا صراع
يُعد هذا الكتاب وثيقة فكرية تثبت أن “العقل” و”النقل” صنوان لا يفترقان. ببراعة فائقة، يستعرض المؤلف آراء كبار الفلاسفة من سقراط وأفلاطون إلى كانت وديكارت، وكأنه يقيم محكمة تاريخية للفكر الإنساني، ليثبت في النهاية أن كل الطرق العلمية والفلسفية الرصينة تؤدي بالضرورة إلى حقيقة واحدة، الله سبحانه و تعالى.
لقد نجح نديم الجسر في تقديم “وجبة فكرية” دسمة، بَسّط فيها أعقد نظريات الطبيعة والفيزياء، وجعلها شواهد حية على الإعجاز الإلهي، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي ليس نبذاً للعقل، بل هو تتويجٌ لنتائجه السليمة.
لغة الضاد في خدمة العقيدة
ما يميز هذا العمل ويجعله جديراً بالنشر والاحتفاء، هو تلك اللغة العربية الفصحى التي كُتب بها؛ لغةٌ تمتاز بالرصانة والجزالة دون تعقيد، وبجمال التصوير الذي يلامس الوجدان. إنك حين تقرأ “قصة الإيمان”، لا تشعر أنك أمام كتاب “كلام” بالمعنى التقليدي، بل أمام نص أدبي رفيع، يُمتع الذائقة ويُغذي الفكر في آنٍ واحد.
ختاماً.. ضرورة لا غنى عنها
إن دعوة “قصة الإيمان” هي دعوة للقراءة، للتأمل، ولنبذ التبعية العمياء. إنه كتاب لا يخاطب المسلم فحسب، بل يخاطب “الإنسان” الباحث عن معنى لوجوده في هذا الكون الفسيح. وفي زمنٍ نحتاج فيه إلى بناء جيل متسلح بالوعي والإيمان القائم على الدليل، يظل كتاب الشيخ نديم الجسر مرجعاً لا غنى عنه، وجسراً يعبر بنا من ضفة الشك والقلق إلى شاطئ اليقين والسلام النفسي.