د. جوتيار تمر
اقليم كوردستان
تتجلى العلاقة بين الكورد والوجدان الشيعي في أفق معقد، كأنها صفحة من التاريخ كتبت على عجل في لحظة توتر، ثم أعيدت قراءتها في أزمنة لاحقة بعيون مختلفة، فهي لم تكن يوما علاقة مستقرة على معنى واحد، ولا خاضعة لحكم نهائي، بقدر ما تشكلت عند تقاطع الرواية والفقه والسياسة، حيث تتنازعها نصوص قديمة، وتعيد تشكيلها مواقف مرجعية، وتدفعها الوقائع نحو مسارات لم تكن دائما منسجمة مع أصولها الأولى.
في بعض المدونات الحديثية القديمة، ترد نصوص منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق، تتناول الكورد بلغة تثير التساؤل أكثر مما تقدم جوابا، وتميل إلى توصيفات لا يستقيم معها الاطمئنان إلى ثبوتها أو تعميمها، غير أن العقل الشيعي، في بنيته الأصولية، لا يقف عند ظاهر النقل، بل يعيد مساءلته وفق معايير النقد السندي والدلالي، وهو ما دفع عددا من المحققين إلى اعتبار هذه الأخبار من قبيل الآحاد التي لا تنهض لبناء حكم عام، بل إن بعضها يبدو أقرب إلى انعكاس لظروف تاريخية مخصوصة، جرى اقتطاعها من سياقها، حتى بدت في قراءة لاحقة وكأنها حكم مطلق، ومن هنا، فإن استدعاءها خارج ميزان المقاصد الشرعية لا يفضي إلا إلى تشويه الفهم، خاصة (يفترض) في ضوء مبدأ إسلامي راسخ يجعل التقوى، لا الانتماء القومي، معيار التفاضل.
في مقابل هذه الروايات، يبرز موقف مرجعي حديث أعاد توجيه البوصلة نحو معناها الأصيل، تمثل في فتوى المرجع محسن الحكيم عام 1965، التي حرم فيها قتال الكورد، وأكد انتماءهم إلى الجماعة الإسلامية، وصيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لم تكن هذه الفتوى مجرد استجابة لظرف سياسي، بل كانت إعلانا صريحا عن أولوية المبدأ على الصراع، وانتصارا لفقه المقاصد على ضيق القراءة الحرفية، وفي تلك اللحظة، لم تعد الفتوى نصا فحسب، بل تحولت إلى موقف أخلاقي يعيد الاعتبار للإنسان قبل الهوية، وللعدل قبل الاصطفاف.
ولا ينفصل هذا الموقف عن واقع اجتماعي شهد، في مسارات متعددة، أشكالا من التداخل بين الكورد والشيعة،فالكورد الفيلية يمثلون نموذجا حيا لهذا التداخل، حيث التقت الهوية القومية بالانتماء المذهبي في سياق واحد، وأسهموا في الحياة الدينية والعلمية داخل بيئات الحوزات،كما أن محبة أهل البيت لم تغب عن قطاعات من الكورد السنة، خاصة في البيئات المتأثرة بالتصوف، بما يعكس وجود بعد وجداني مشترك يتجاوز الحدود الفقهية، وهكذا، تبدو الحياة الاجتماعية أوسع من أن تختزلها رواية، وأكثر تعقيدا من أن تحسمها فتوى منفردة.
أما في إيران، فإن المشهد يزداد تركيبا، لتداخل الديني بالسياسي في بنية الدولة، فالعلاقة مع الكورد هناك لا تفهم بوصفها صراعا مذهبيا خالصا، بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة المركزية وحساسيتها تجاه النزعات القومية في أطرافها، وبينما لا تنطلق المؤسسة الدينية، من حيث الأصل، من موقف إقصائي تجاه الكورد، فإن الدولة، بمنطقها السيادي، تتعامل مع أي نزوع نحو الاستقلال بوصفه تحديا لوحدة المركز، ومن هنا، جاءت التوترات في سياق سياسي-قومي بالدرجة الأولى، وإن لم تخل من توظيفات مذهبية في بعض المراحل، ومع ذلك، ظل التعايش اليومي بين الكورد والشيعة قائما في كثير من البيئات، بعيدا عن منطق القطيعة الشاملة.
وفي العراق بعد 2003، وجدت هذه العلاقة نفسها أمام اختبار قاس، مع تصاعد النزاعات في مناطق مثل كركوك وسنجار وطوز خورماتو، غير أن هذه التوترات، على شدتها، لا تعكس بالضرورة امتدادا لخصومة دينية مذهبية راسخة، بقدر ما تعبر عن صراع على السلطة والموارد في إطار دولة لم تستقر بعد على عقد جامع، وتكمن الخطورة حين يستدعى التراث لتبرير الحاضر، أو تلبس الأزمات السياسية لبوسا مذهبيا يمنحها شرعية مفتعلة، فيتحول النص من موضوع للنقد إلى أداة في الصراع.
إن فهم هذه العلاقة يظل رهينا بالتمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: المروي، بوصفه نصا تاريخيا يخضع للنقد؛ والمفتى به، بوصفه تعبيرا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان؛ والممارس سياسيا، حيث تتحرك الدول والجماعات وفق منطق المصلحة والقوة، ومن دون هذا التمييز، يغدو الحكم أسير قراءة مجتزأة، تختزل التاريخ في رواية، والواقع في أزمة.
وعليه، فإن القراءة المتوازنة لا تقف عند ما سطر في بطون الكتب، بقدر ما تنظر إلى ما استقر في الضمير الفقهي حين واجه الواقع، وإلى ما أنتجه التفاعل الاجتماعي من صيغ للتعايش.،فالكوردي، في هذا السياق، ليس موضوع رواية عابرة، ولا طرفا في خصومة دائمة، بل هو جزء من نسيج إنساني أوسع، تشكله قيم العدل بقدر ما تصوغه وقائع التاريخ.