تفكيك قصائد الشاعر صلاح فائق

 

رسول عدنان
ناقد و شاعر عراقي/ أمريكا

الجو العام للنصوص:

سوف يسهّل عليّ مهمة تقديم عوالم الشاعر صلاح فائق و الطريقة التي يلتقطُ بها صوره و يصوغ بها جملته الشعريّة بحِرفيّة تامة حيث يعمد الى توظيف اليومي و العابر ويختلق عوالم و مفاجآت تكون نسيجاً متجانساً في النهاية، يوحّد موضوعة القصيدة مع المحافظة على تماسك جمله الشعرية، إنّها مهمة صعبة جدا بحاجة الى قدرة وهمة عالية حيث الثقافة و الذكاء و الموهبة ،
إنّها الدربة حسب حازم القرطاجني، من الصعب بمكان مطارة سيل الأفكار او ملاحقة عوالم الشاعر أو إحصاء مفرداته، إنّه يفاجئك بصور متناثرة مستخدماً أسلوب ( التقطيع السينمائي )، لكنّ القارئ الذكي يدرك جماليّة و روعة تلك الصور المنسابة بحرفية و عفوية، له قدرة على التحكم بمفرداته كما يتحكم الراعي بقطيع كبير، صلاح فائق الذي يتعثر بالحصى و اللؤلؤ و الأصداف و بالنجوم و حروف الجر و النصب هو ذاته الذي يسرح مع الشياه و يرافق الذئاب يرتقي الجبالَ و يتدرج من القمم الشاهقة الى الوديان ذوات المروج و اللؤلؤ هو وحده من يصطاد الأسماك الفضية بحرفيّة صيّاد بابلي و من يمسك الطيور الأليفة و الجارحة هو وحده من يطلق صفارات الأنذار و يحتمي من الطائرات بالورق و ألعاب الأطفال ينتج عوالمه الخاصة كمن يخيط ثوبا خاصا به لا يشبه بقية الثياب، عندما تقرأ صلاح فائق تشعر إنّه راع جميل او كاهن فوق قمة شاهقة يكلم السماء و يحلب دموعها، تلمح كلَّ شيء في شعره حتى كإنّك تتلمّسُ الموت و تُمسكُ الخجلّ و تُطلقُ العيارات الناريّة ابتهاجا باللآشئ،

 

الملفت في تجربة هذا الشاعر ،نّ غالبيّةَ صوره هي صورٌ مبتكرةٌ علامة او ماركةٌ خاصّة به لم يسبق اليها احد، و هنا أستطيع أنْ أستعير قول سركون بولص بشاعريّة صلاح فائق :
( شــعرُكَ حقيقــيٌّ ومبهــج، وبالنســبّة لي هــو مواســاة هديـّـة مــن لا مــكان وقـد ابتهجـت، قرأتـه بنـوع مـن الألتهـاب: جديـد في كل مـرة ) بالنسبة لصلاح لا يركن الى ثيمة واحدة حتى يُبقي شعره متجددا تراه في كل قصيدة او في كلِّ ديوان من دواوينهِ يطرقُ ثيماتٍ كثيرةً يخاطب النسور و يرتقي الجبال و يركب البحار، ثم يذهب الى ألقاء القبض على شكسبير و يبحث عنه في أزقة لندن حاملا مسدسا قديما، إنّ قصائده هي التي تكتب نفسها بقلم صلاح فائق و لا يكتبها هو، تنساب بعفوية و تلقائية يسلك بها طرقاً غير معهودة و لم يسلكها غيرُه، لذلك ترى صورَه تتلاحق تتوالى و لا تتوقف عند معجم ما، بمعنى أنّ لغتَه المعجمية متشظيةٌ ودلالاتِه أكثرُ تشظيّاً من أنْ تلاحقُ من قبل ناقد او حتى قارئ، لغتُه بسيطة مقروءة يتجنب الغموض و الوعورة في اختيار مفرداته و صياغتها، لا يضع فكرة او سيناريو جاهز لقصيدته بل يتركها تأتي مسترسلة تماما، فحين تقرأ شعره فإنّكَ لا تكتفي فقط بالدهشةِ من الإستعمال الغريب للمفردات و ما ينتج بينها من أبتكار، بل تجد إنّه يوظفُ كلَّ ما تقع عينُه عليه او يمرّ به عقلُه الظاهر و ما يختزنُه عقله الباطن من الأسطورة الى التأريخ الى اليومي العابر الملتقط بشكل عشوائي، ثم يقوم بتوزيعها بشكل عشوائي ايضا على جمل قصائده و بعناية تامة، إنّه دائمُ التحديث لقصيدته و التي لا يمكن بأيّ شكلٍ من الأشكال، أنْ تركن الى ثيمةٍ واحدةٍ او لون واحد، فكأنّه أخذ على عاتقه تحديث قصيدة النثر البودليرية و كلّ ما نظّرت له سوزان برنار

 

 

دلالة شعرية وعوالم صلاح فائق:

شعريّة صلاح ترتكزُ على مرتكزين هما ( اللغة ) و ( الفكرة )، إنّه يبحث عن قصائده او عوالمه عبر التفاصيل و اليوميات في كلّ ما حوله، ليس له قاموسإ معيّن سواءا من التراث او من الحداثة، شعره هو بوصلة حداثتة، له قدرة أنْ يجعلَ مِن كلِّ شيءٍ حوله شعراً، من الماء و الصخر و السماء و الخيل و النهر، إنّه بحثٌ دائم مركّزٌ عن اللّذة التي تقودُه و من خلاله تقود قارئه الى الشعر، تلك الدفقة الرصينة لم تفارق كتاباته مطلقا، لقد تجاوزت لغتُه المفهومَ القاموسيَ الى المفهوم السحريِ الذي يلمسُ كلَّ شيءٍ حوله ليحوّله الى ناطقٍ الى لذةٍ أخّاذةٍ كساحرٍ كبير يتلاعب باللغة بثقة عالية تماما، فيحوّلها الى قصائد شفافة ذات متعة عاليّة تشدّ القارئ دون معاناة او أزعاج، يأخذُكَ الى عوالمه التي يحولها الى كائناته حية و يتركك في زورقه التائه في محيطات متناثرة ليقف هو كالنسر يرقب الوجود و يحيله الى لذة منقطعة، هنالك طقوسٌ خاصّة تصنعهُا لغتُه و قد ساعده في ذلك لغتُه الأنكليزيّة الرصينة و ثقافتُه العريضة الأصيلة و اطلاعُه على مختلف الثقافات، هنالك كارزما ابداعيّة او رؤية ترافق جملتَه الشعريّة؛ و قد رأيتُ من المفيد أنْ أثّبت بعضَ النصوص القصيرة من ديوان جاسبار الليل حتى أحاولَ مقاربةَ ما كتبَهُ صلاح فائق مع نصوص برتران و هي عبارة عن نماذج شذرات ترجمة المنصف الوهايبي:
الانسان رقاص يسك النقود المعدنية [والشارات]، بسكته/ أما الأضعاف الأربعة فتحمل خاتم الامبراطور، وأيقونة البابا، وبديلة المجنون (قطعة مسطحة أو مربعة أو مدورة، تستعمل في ألعاب القمار بدلا من النقود)/ أراقب بديلتي في لعبة الحياة هذه حيث نخسر بلا انقطاع، وحيث الشيطان ينشل؛ لكي يتخلص منا جميعا، اللاعبينَ والنردَ والطاولةَ الخضراءَ. أما الامبراطور فيملي أوامره على قادة العساكر، وأما البابا فيرسل براءته إلى المسيحيين/ وأما المجنون فيكتب كتابا/ هو ذا كتابي كما عملته، وكما ينبغي أن يُقرأ؛ قبل أن يجعله المفسرون ليلا بهيما، بإضاءاتهم.

تقطيع قصائد ديوان دببة في مأتم:

في مجموعته الشعرية ( دببه في مأتم ) الصادرة عن دار الجمل 2013 و التي ضمت 47 قصيدة قصيرة جدا بلغت في قصرها انّها لا تتعدى بيتا او شطرا واحدا فقط، لذلك آثرت أن أقدمها بتفكيك تكنيكي الصياغة في هذه المجموعة و ليس فقط الفكرة او ألفاظها بل تلك التقنيات التي أتبعها في كلِّ قصائده في هذه المجموعة و التي ضمّت في بعض الأحيان بيتاً واحدا فقط ايّ أنّها تقدم فكرة مجرّدة في سطر واحد و يترك القارئ يؤول ما يرمي اليه بمعنى أنّه يسحب القارئ الى لعبته البلاغية بتقية الأختصار يقول في
القصيدة رقم 5

( منذُ الفجرِ أجلسُ في حوضِ سباحةٍ فارغ )

لاحظ الوقتَ الفجر، و لازال يجلسُ في حوض سباحة، هذا تناسب متسلسل لكن فجأة نكتشف ( الغرابة ) الحوضُ في الحقيقة كان فارغاً أصلا!! هل هي الفكرة التي قادت الشاعر الى هذه المصادفة ؟ أم تقنيات قصيدة النثر؟ هل أختصر الشاعر يأسَه بهذه المفارقة مثلا ؟ هل كانت هذه المفارقة عزاءا لأنسان منكسر؟ أم قد تكون هي كلُّ هذي الأشياء معا ؟ ابتعد الشاعرُ عن تبسيط فكرتهِ عَبر عامليَ الإيهام و المراوغة اللذين أدّيا دوراً محوريّاً في ابعاد الشعر الموغل في البساطة والمطرو ح للمتلقي على طبق وكأنّه وجبةُ طعام يلتهمُها القارئ بسرعة دون طعم أو أثر، لابد من تحصين النص وفكرته لكي لا يسقط من أوّل نظرة و هذا التحصين يأتي عبر اللغة في مستويين هما اللفظ و المعنى عمد الشاعرالى جعل لكل نص شعريتَه وأسلوبَه البنائيَّ الخاص الذي يبنى على وفق مفهوم حراك الرؤى والدلالات والمعاني والتشكيلات الإسلوبية الإيهاميّة، بمعنى أنّ الشاعر يصوغُ لكلّ نص من نصوصه أسلوبَه الشعريَّ المفصل الخاص من حيث تشكيلاته وأنساقه التصويريّة المراوغة ومعانيه الخاصة و فيه يتحول كلُّ جماليٍّ الى مثيرٍ ومؤثرٍ في مدى تفعيله لمفهوم الرؤية الشعرية و ما تكتنزُه من دلالاتٍ رمزيّة و صور فنية،
و في هذه القصيدة يحاول الشاعر جرّ قارئه الى عوالم المفارقة، الآ و هو الجلوس في حوض سباحة فارغ، لكنَّ الشاعرَ بكلّ حَذاقة و مهارة أستخدم تقنيات مفهومي الإيهام و المراوغة ليخفي التفاصيل و أكتفى بتعابير مجازية حول فكرته عبر مفهوم الزمن ( الفجر) و مفهوم المكان( حوض السباحة) الطريقة التي أستخدمها الشاعر في بنائها مرتبطة بمجاورات تعتمد انساقا تعبيريّة معروفة في النص من خلال الأفكار المنبثقة و التقنيّات الإسلوبية والمكونات البنائية، مثل توظيف السرد الحكائي وربطه بالمكان في محاولة للتحليق الخيالي، مستفيدا من العلاقات اللغوية ذات البعد الدلالي، من حيث نسقيّة الجملة الشعرية وآلية السرد، الى طريقة تركيب الصور في نسيج متماهي متماسك، تراوح بين الميتالغة والوعي الدال بل تجاوز الى بيان أثر كل منهما باللآخر، هنالك علاماتٌ لغويّة ذاتُ بعدٍ دلالي و أخرى مرتبطة بمحاولة ايصال الفكرة و التي يمكن للقارئ تجميعها و تكوينها في نهاية القراءة للوصول الى لذّة النص، حيث تبدأ من المفارقة التي تحوّلتْ الى قافيّة في قصيدة النثر، لاحظ معي حوض سباحة فارغ مضادان مختلفان هذه هي الغرابة التي تحدّثتُ عنها و بدونها ستفقد هذه القصيدة او المقطع قيمتَه، حسناً لنطبق مبدأ رولان بارث في الفحص الأستبدالي اذ قال ( و من أجل النفاذ الى باطن النص لسبر حركة العلاقات فيه أقترح رولان بارث فكرة الفحص الأستبدالي، و هو ان نقوم بتغيير توجه الجملة، من حيث جلالتها او من حيث أيقاعها )
لنقرأها كالاتي ( منذ الفجر أجلس في حوضِ سباحةٍ ممتلئٍ) او بارد، أو ساخن، أذن لتحوّلت القصيدة الى جملة تقريرية بلا قيمة ! لأنّ قيمتها الحقيقة بالمفارقة القافية تلك الغرابة هي التي أعطت التناسب لمفردات القصيدة طاقة شعريّة، و مفهوم التناسب هنا، ما يناسب الشعر من ألفاظ نثريّة، لكن حتى نصل الى قصديّة الشاعر في هذه القصيدة المختصرة جدا،علينا أنْ نُحصي الإحتمالات التي تُبنى عليها الدلالة، هل كان هذا الجلوس منذ فجر يوم واحد؟ ام منذ عدّة أيام؟ أدرك أنّ ألَ التعريف في مفردة الفجر قد أدّت وظيفتها اللغوية و عرّفت الفجر المنوط بيوم محدد و لكنّه ترك الدلالة العامة للجملة مفتوحةً على عدّة احتمالات، فإنّه لم يذكر سبب جلوسه! و لا الى أيّ وقت بقي هذا الجلوس في حوض سباحة فارغ!! و لا السبب الذي دعاه الى هذا الجلوس!! و ترك هذه التساؤلات الى القارئ يفكر بها، إنّها اللعبة الشعريّة التي من أبرز سمات قصائد و شعريّة جماعة كركوك!! ابتعد الشاعر عن تبسيط فكرته عبر عامليّ الإيهام و المراوغة اللذين أدّيا دوراً محوريّاً في أبعاد النص عن التقريري السطحي و نجح في جرّ القارئ الى المشاركة في تأويله؛

القصيدة رقم 25
( لسبب أجهلُه أحبّ أنْ أتبع نهراً الى مصبِّه الأخير، أو يرافقني في البحث عن صديق )

دخل الشاعر مباشرة الى جو القصيدة عبر الجار و المجرور في جملة لسبب أجهله
لاحظ في المقطع الأول جملة تقريرية عادية جدا لا تحمل طاقة شعرية فقط كلمات متناسبة، لكن الذي جعل من هذه الجملة ذات طاقة شعريّة هو حرف العطف ( أو )، و الذي يحيلنا بطريقه الى جملة أخرى قد تكون هي القصيدة أو هي السحر الذي يجعل من الجملة التقريرية شعرا، حسنا لنستمر سنجد الآتي ( يرافقني في البحث عن صديق ) أنتهت القصيدة او المقطع بقافية الآ وهي ( المفارقة ) كيف يرافق نهرُ شاعراً ما في البحث عن صديق ؟ هنا أحدث حرف العطف ( أو ) فعلتَه ب ثلاثة أتجاهات 1- جعل من المقطع التقريري الأول شعرا، قفل القصيدة او هذه الومضة بقافية هي المفارقة، 3 خلق اللّذة سواءا للشاعر او للمتلقي،
ماذا سيحدث لو قرأنا القصيدة بدون حرف العطف ( أو ) ماذا سيحصل ؟ لنطبق مبدأ رولان بارث في الفحص الأستبدالي، لنجرّب اذن ( لسبب أجهله أُحبّ أن أتبع نهرا الى مصبه الأخير، يرافقني في البحث عن صديق ) تحوّلت القصيدة بلحظة واحدة الى كلام تقريري غير مترابط لا قيمة له، إذن الفعل كان لحرف العطف ( أو ) و كأنّ الشاعر يراهن على شعريّة خاصّة تتجاوز المألوف يتحوّل الشعر الى سمّوٍ متعالي في أفق أكثر أنفتاحا حيث تتحوّل لغتُه الى آلية تتجدد و طاقة تتصاعد عبر الأستعارة و الفكرة مستغلاً عاملي الأيهام و المفارقة لأحداث اللّذة عبر مفهوم الأثارة مستغلا المساحة التي تتيحها اللعبة اللغوية ليشحن عالمه المتخيل بصور عابرة من اليومي موظفا كل ما حوله من عوالم، كل ما تقع عليها عينه و تصل اليه مخيلته و كأنَّه كمَن يريد ان يهرب من معترك نفسيّ الى عوالم يرسمها خياله الخصب ليكّون مملكته اللغوية المفعمة بأحساس خفيّ بالوجع و الغربة الى تكوّن وجود خاص به عبر الدلالات التي تتيحها عوالهم التي يطرقها عبر الإستعارات و الصور المنسابة بشكل مكثف، حيث يوظف كلَّ ما حوله لخلق نسقه الشعري الخاص عبر التفاصيل اليوميّة و العابرة ليخلق عالمه الخاص و يعيش به،
هكذا يبني صلاح فائق عوالمَه و يحاكي شخوصه، أن يدرك تماما ثقل كل مفردة كلّ حرف و مكانهما في رسم فكرته و صياغة جملته، هكذا حوّل مفردة نهر القاموسيّة الى مفردة سحريّة تماما أنّه يعرض صداقتَه على النهر او يطلب منه أن يرافقه، حيث حوّل النهرَ الى كائنٍ حي يتكلم، هذا هو الخيال الخلاق و هو أسلوب ظل يلازم جماعة كركوك في غالبية كتاباتهم الشعرية؛

قصيدة : في مرسم فاتح المدرس
من مجموعة (تلك البلاد ) -‐لندن -‐ 1978
يلاحظ من خلال كتابات الشاعر أنّه يستعين دائما بالتكثيف الشعري، سواءاً من خلال اللغة ام من خلال النص ذاته، هذا اذا أخذنا بالأعتبار أن التكثيف أصلا هو أحدى أهم سمات قصيدة النثر، يلتجأ اليه الشعراء بصور متلاحقة تضع القارئ أما بانوراما لا تتوقف من الصور المتلاحقة لا يستطيع أن يواصل تتبعها ألا بأستخدام ( تقنية التقطيع السينمائي )، كل نص من نصوص الشاعر يحمل تجربة منفردة ( نفسية وجودية أو حتى تصل الى الكونية) إنّها انكسارات متتالية تتركبُ كصور تترآى له تماما كما يعكس الماء الصور، تلك الحيرة التي تجعل الشاعر يرافق نهرا او يجلس في حوض سباحة فارغ ، إنّه الهارب ذاتُه الذي يحدث إشارات ما فوق جسد أمراة، تعكس مفردات الشاعر تلك الإنكسارات ذلك الموقف من الحياة تلك الحيرة من الكون
أيّها الهارب
أنتَ مسؤولٌ عن هذه الإشارات
تحدثها في الأعماق أهواؤك الجميلة
انظر إلى استدارة وحيدة على القماش
نسيها جسدُ امرأة
نهدان يزهوان
كأنّ مِنْ حلمتيهما
تتخضّب الجذور والكتب
الطيور والحمام
الموانئ والاجناس
ربّما لهذا السبب
سيبقى العالم مزهواً إلى الأبد
من خلال مفهومه الجمالي يستطيع الشاعر او يحاول بناء فكرته للنص، هذه الفكرة أصلا إشاراتُ و مواقف الشاعر من الحياة إنّها مؤاساة للنفس يحاول أن يستخدم ( فرشاته / مفرداته ) و ( أدواته – موهبته شاعريته ثقافته ) في رسم لوحة تواسي تلك العزلة و ذلك الأحتجاج من الحياة، أنّه كراعٍ يعزف مقاطع موسيقية في نايه قريبا من الحياة قد تقوده الى تغيير نطرته الى الحياة أو العالم إنّه صانع إشارات ماهر، هذه الأشارات قد تقوده الى الخلاص، الى فردوسه الذي قد يكون حافةَ نهر او نهدَ امرأة لاحظ قولَه ( أنتَ مسؤول عن هذه الإشارات ) أيّة إشارات تلك التي ؟ ( تحدثها في الأعماق أهواؤك الجميلة ) إنّه يحاول أنْ يرسمَ صورَه بعنايةٍ فائقةٍ ليبقى العالم مزهواً، الدهشةُ دائما ترافق نصوصَ الشاعر سواءا من خلال السرد او الغرابة او المفاراقات او التكثيف، لم يعد القاموسيُّ ذا قيمة أصبحت الحياة هي قاموسُه إنّه يرتقي بالأشياء بعفويّة سحريّة و ينحت مفرداته على تلّةٍ قريبةٍ من الحياة
كيف تبدو نصوص الشاعر ؟
(الفكرة +جمالية السرد + الدهشة + المفارقة+ الغرابة + التكثيف )
= اللذة
إذن المفهومُ الدلاليُّ للذّة لدى الشاعر أخذ بُعدَه الفنيّ من خلال وعي الشاعر باللحظة الآنيّةِ وعيه بالروعةِ حيث إنّ غالبية نصوص الشاعر تتضمن بعدين دلاليّن هما :
1 جوهرُ النص الشعري
2 دلالاتُه الفنية و الجمالية
هنالك خطاب خفيّ لعالم مترامي يبدأ من موقف الشاعر من الحياة الى الخلاص الذي ينشده عبر الألفاظ و الصور التي تزدحم في قاموسه السحري،
في كتابه المهم مفهوم للشعر وصف جابر عصفور التخييل قائلا (عملية ايهام موجهة تهدف اثارة المتلقي اثارة مقصودة سلفا والعملية تبدأ بالصورة المخيلة التي تنطوي عليها القصيدة والتي تنطوي هي ذاتها على معطيات بينها وبين الأثارة المرجوة علاقة الإشارة الموحية) أنتهى الإقتباس ينظر كتاب جابر عصفور دراسة في التراث النقدي، مكتبة الأسرة المصرية 2005 ص 196
في هذا المقطع من القصيدة يحاول الشاعر استدراج قارئه الى لُعبته البلاغيّة عبر مفهوميّ التخييل و الإثارة من خلال فعل الأمر أنظر، الذي يقود الى مفاجأة من خلال الفعل الماضي (نسي) كيف قاد الى تفجير المكنون من الإيحائي و الصوري و أرتقى بدلالاتها التعبيرية عبرعامليّ اللغة و الخيال اللذان يعملان بآليّة ثنائية على تحقيق الأنفتاح الدلالي و تشظيه الى دلالات لا متناهيَّة :
انظر إلى استدارة وحيدة على القماش
نسيها جسدُ امرأة
نهدان يزهوان
كأنّ من حلمتيهما
تتخضّبُ الجذور والكتب
الطيور والحمام
الموانئ والاجناس
لهذا النص شعريتُهُ وأسلوبُه البنائيّ الخاص الذي يُبنى على وفق مفهوم حِراك الرؤى والدلالات والمعاني والتشكيلات الإسلوبية الإيهاميّة بمعنى إنّ الشاعرّ يصوغُ لكلِّ نصٍّ من نصوصه أسلوبَه الشعري المفصل الخاص من حيث تشكيلاته وأنساقه التصويريّة المراوغة ومعانيه الخاصة و فيه يتحوّل كلُّ جماليٍّ الى مثير ومؤثر في مدى تفعيله لمفهوم الرؤيا الشعريّة و ما تكتنزه من دلالات رمزية و صور فنية، فالمتأمل الى ألفاظه و التي فيها أكثر من دلالة تدلُّ إنّ الشاعر صاغ قصديته بتلقائية و انسيابية من خلال موضوعة القصيدة او إنّه يتأمّلُ في لوحة ما محاولا جرَّنا الى عوالمها و ترجمة رموزها او إنّه يتأمّلُ الى منظر في العراء محاولا رسمه بالكلمات، هذه الدلالات المتعددة ممكن أنْ تقودنا الى الإستعانة بعنوان القصيدة في مرسم فاتح المدرس للوصول الى قصديّة الشاعر، فهل التأمّلُ في كل لوحات المرسم كان مسرحا لموضوع القصيدة؟ ام فقط لوحة معيّنة من هذا المرسم ضمّت كلَّ تلك العوالم التي ترجمها الشاعر؟ هل حوّل الشاعر هذه اللوحات الى ما يوجهه بشكل يومي في الحياة؟ او ما يوجهه الإنسان في حياته؟ هي هذه اللوحات هي مساراة حياة الفنان نفسه اقصد فاتح المدر؟ ام الذات الشاعرة؟ و هل هذا المرسم هي تللك الصومعة التي يعمل بها الفنان ؟ ام أنّه رمز للحياة ذاتها؟
هذه التساؤلات يترك الشاعر بابَها مفتوحاً ليُشركَ القارئ في الوصول المعنى الخفيّ لها او محاولة الإقتراب الى عوالمه بغاية فهمها للوصول الى اللذة التي ينتجها النص، و بالتالي أستطيع ان أقول ان الشاعر نجح بجرّ القارئ و أشراكِه في تفسير رؤى نصّه هذا !!

 

 

الخصائص الفنية لشعرية لصلاح فائق:
قصيدة النثر عامة سلكت مستويين و هما ما يخصّ الوزن او الإيقاع تتمثل ب (التوازن والتناسب والتناغم) و ما يخص اللفظ متمثلة في (المصادفة والعشوائية والغرابة ) و في تناول أيّ نص لصلاح فائق سيجد القارئ هذه السمات مميزة في نصوصه عبرة فكرة ما سواءاً أكانت تلك النصوص قصيرة ام طويلة لكنها تتضمن المعاني أعلاه في نهاية النص أية نص للشاعر سيجد القارئ تلك اللذة التي يبحث عنها أو قد يجد الشاعر نفسه هنالك في مصادقة غريبة!!في بعض النصوص تكون الفكرة هي التي تحدد هذا التوازن و في أحيان أخرى اللغة هي التي تفرض حضورها سواءا بالجملة الواحدة ام في النص بأكمله، إنّك لا تتلمس ذلك التناغم بل تحسُّه من خلال النص، بينما في جانب آخر ستجد المصادفة والغرابة و العشوائية، هذي العوامل هي التي تَخلق نصّ الشاعر، إنّها الجدول الذي يقوده الى النهر الى القصيدة الى نهايتها و كأنّ الشاعر يتحسس الكائنات حوله محاولا ترجمتها بتوازن و تناغم يتناسب مع الفكرة التي وضعها، هل هذه الفكرة وليدة لحظة الألهام ام مختزنة أصلا في اللاوعي؟ ام في ثقافة؟ الشاعر ام في مشهد جلب أنتباهه؟ أم هاجس مرّ كسحابة ليمطر الشاعر بفيض من الصورة التي ترتبها شاعريته؟ أستنادا الى تلك الثقافة و الدربة او قد يكون وحياً ينساب فجأةً يضعه الشاعر في قوالبه السحريّة، بعد أن تجاوزتْ لغتُه ( القاموسيَّ ) أصلا،
سوف أحاولُ المقاربةَ بين نماذج الشعري الفرنسيَ في نسخة الأصل و ما كتبه صلاح فائق عربيّاً الذي جعل من قصائده خيارا شعريّا في معترك حياته التي يعيشها بالفوضى التي يرتبها و يصنعها، حيث يتحوّل الشعري لديه الى عالمه او عوالمه الخاصة و التي يخطو بها الى آفاق مفتوحة تتلبس فيها اللغة بالفكرة في حين يطلق عنان حدسه الى حيث تصل جملته التي تلاحق الفكرة، إنّه شاعرُ الأتقاطات اليوميّة المثيرة المدهشة، يوظف كلَّ ما يستطيع من محسناتٍ بديعية تخدم فكرة الجملة عبر مفهومي الأثارة و الخداع، حيث تكون قافية كلِّ جملة او فكرة عبارة عن مفارقة في اللفظ او المعنى، و بهذا تتحقق الدهشة او الصدمة التي تجرُّ القارئ الى لعبة لغويّة بحرفية تامة، تلك اللغة المشحونة بالمجازات المسكوكة بالمفاجأت،

سعيدٌ لأني لم أتعلمْ بلاغة موتى
وجدتُ التجوال في السواحلِ أجمل
هناكَ، ذات مرة، في أحدها
صادفتُ فلاحاً، خرجَ من قصيدة لي قبل أيام
ليبحثَ عن شجرة زيتونٍ أخفى عندها بعض النقود
كان الوقتُ ظهيرةً والمطرُ في كل مكان…

هذه مقاربة بين نص صلاح و جزء من نص برتران:
(كانوا دزينة يحتسون حساءهم، في تابوت، وملعقة كل منهم ساعد ميت
ربيع آخر، قطرة ندى أخرى ستترجح لحظة في كأسي المرة، وستتسرب مثل دمعة
صغار المقاطعة، في طريق العودة، وصياحهم يستنطق صدى الحي الرنان؛ ومثلما يتبع السنونو الربيع، هو يسبق الشتاء/ أكتوبر ساعي بريد الشتاء يدق على أبواب منازلنا/ مطر متقطع يغرق زجاج النافذة الباهر،
والريح تنثر أوراق شجرة الدلب، الميتة، على مدخل الدرج المنزوي).)

قد يعجبك ايضا