ذكرى من 28 نيسان

ديار كاظم

في 29 نيسان 1990، ظهرت صورتي لأول مرة على تلفزيون كركوك (القسم الكوردي). كنتُ حينها تلميذًا في الصف السادس الابتدائي في مدرسة ديانا الابتدائية.

في يوم 28 نيسان، وخلال الأعوام ما بين 1979 و2002، كان العراق كله يحتفل بذكرى ميلاد صدام حسين. سواء بدافع المحبة أو الإكراه، كانت هذه المناسبة تُحيى في كوردستان أيضًا حتى عام 1991. لكن في بعض الأحيان، كان الناس يتعاملون معها بنوع من السخرية فيما بينهم. أذكر أنه في السوق أو في المدرسة، كان المعلمون يقولون: “اليوم عيد ميلاد الميمون”، وكلمة “ميمون” في العربية تعني المبارك أو السعيد، لكن في لغتنا الكوردية كلمة الميمون يطلق على القرد، لذلك كان من يعارض صدام يكرر العبارة نفسها بنبرة ساخرة.

لأننا كنا من العائدين واستقرينا في ديانا، كنتُ أدرس في مدرسة عربية ضمن منطقة يغلب عليها التعليم باللغة الكوردية. كانت المدرسة العربية مخصصة للموظفين والعرب، وكان عدد طلابها قليلًا، ومعظمهم من أبناء أعضاء حزب البعث أو من المسيحيين. وفي كل مناسبة حزبية أو زيارة رسمية، كنا نُستدعى للمشاركة في الاستقبال والفعاليات المرتبطة بمناسبات النظام.

في ذلك اليوم، زار علي حسن المجيد قضاء صديق (الذي يُعرف اليوم بسوران). اصطففنا نحن التلاميذ في طوابير قرب كاني ماران في وادي كلي علي بك لاستقباله. أذكر أنه نزل من سيارته، وألقى التحية، ووضع يده على رأس أحد التلاميذ، بينما كانت الكاميرات تُصوِّرنا، ليُعرض ذلك في اليوم التالي على تلفزيون كركوك. بالنسبة لنا في ذلك الوقت، كان أمرًا مفرحًا.

بعدها، توجّه علي حسن المجيد إلى قائمقامية القضاء، وألقى كلمة من على الشرفة أمام الناس. كان يكرر اسم صدام كثيرًا، وكان الجمهور يستقبله بالتصفيق. كما تحدث عن فرزاد بازوفت، وردّد الحضور شعارات ضد الإنجليز و“الجواسيس”، مثل: “على عناد الإنجليز نُعدم كل الجواسيس”، وكنا نحن الأطفال نرددها دون أن نفهم معناها.

ومن المشاهد التي لا تزال عالقة في ذهني، رؤية بعض الأشخاص بملابس كوردية يقفون إلى جانب علي حسن المجيد، وكانت لديهم سيارات فاخرة، مثل سيارات أولدزموبيل التي كانت حديثة آنذاك ونادرة وملفتة للانتباه. كانوا يرفعون علامة النصر (V)، ولا تزال تلك الصورة ماثلة أمامي حتى اليوم.

قبل أيام قليلة، ذهبتُ إلى مجلس عزاء أحد أقاربنا في إدارة سوران، وفجأة دخلت ثلاث سيارات كاديلاك سوداء إلى ساحة العزاء. سألت: من هؤلاء؟ فقيل لي إنهم أبناء فلان، وهم اليوم من العائلات المعروفة في كوردستان ومن كبار رجال الأعمال في المنطقة والعراق. في تلك اللحظة، عادت إليّ صور الماضي، لأن والدهم كان من الذين وقفوا يومها إلى جانب علي حسن المجيد في تلك الشرفة. شعرت بقلق عميق، وتساءلت عن تلك التحولات التي مرّ بها هذا البلد، وكيف تغيّرت أدوار الناس ومواقعهم مع مرور الزمن.
في كل زمن، يتبدّل المشهد… لكن الوجوه التي تعرف كيف تقف قرب السلطة، لا تضيع طريقها أبدًا، بينما يبقى المخلصون غالبًا يدورون في دوائرهم الضيقة.

أحيانًا، لا تعيدنا الذكريات إلى الماضي فقط، بل تدفعنا أيضًا إلى التفكير في الحاضر، وفي الطريقة التي يُعيد بها التاريخ وضع الناس في المشهد من جديد.

قد يعجبك ايضا