الكورد بين جغرافيا التقسيم و طموح الإستقلال

رمزي ميركاني

عاش الكورد في هذه المنطقة منذ آلاف السنين؛ فهي موطنهم الأصيل، ولم يأتوا إليها غزاةً أو محتلين، بل وُجدوا فيها منذ فجر التاريخ. ورغم ذلك، نجد أن بعض شعوب المنطقة من جيرانهم لا يتقبلون وجودهم، بل وينكرون حقوقهم، متجاهلين روابط الأخوة التي نص عليها الدين الإسلامي الحنيف في قوله تعالى: {إِنَّمَاالْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.
إن الكورد شعبٌ متمسك بدينه، ومسالم بطبعه، لا يميل إلى افتعال الأزمات، ولم يسجل التاريخ أن الكورد شنوا عدواناً على شعب آخر، أو احتلوا أرضاً لغيرهم. إنهم يتسمون بالطيبة وحب الخير للجميع، إلا أن بعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة توجست من وجودهم، وتصرفوا وكأن الكورد هم من اغتصبوا الأراضي ونهبوا الخيرات، متناسين أن الكورد يسكنون هذه الجغرافيا منذ الأزل، ولم يكن لهم يدٌ في رسم الحدود التي جعلتهم جزءاً من أوطان تلك الأنظمة.
بعد الحرب العالمية الأولى، قام الحلفاء بقيادة بريطانيا العظمى بتقسيم الكورد بين أربع دول هي (العراق، وسوريا، وإيران، وتركيا)، دون استشارة الكورد أو مراعاة حقهم في حياة حرة كريمة كبقية شعوب المنطقة. وبهذا التقسيم القسري، وُضع الكورد في مواجهة مع هذه الشعوب دون إرادة منهم. ومنذ ذلك الحين، حاول الكورد بكل الوسائل المشروعة، من ثورات وانتفاضات ومظاهرات، وصولاً إلى الاستفتاء العام (كالاستفتاء الذي جرى عام 2017 في إقليم كوردستان العراق)، أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم، ويؤسسوا كياناً مستقلاً كبقية أمم الأرض، لكن تلك المحاولات كانت تصطدم دائماً بالخذلان، خاصة ممن كانوا يظنونهم حلفاء.
ففي الستينيات و السبعينيات القرن الماضي مثلاً، إبّان “ثورة أيلول” بقيادة الراحل الملا مصطفى البارزاني، عوّل الكورد كثيراً على الولايات المتحدة وإيران، ظناً منهم أنهم حلفاء أوفياء، لكن منطق السياسة لا يعرف إلا لغة المصالح والربح والخسارة، بعيداً عن المبادئ الأخلاقية؛ فسرعان ما تخلت إيران عن وعودها مقابل مكاسب في نفط العراق ومياه الخليج، وتخلت أميركا عنهم كي لا تغضب بغداد وطهران، ومن أجل صفقات الأسلحة الضخمة، ليُترك الكورد وحدهم يواجهون الحديد والنار.
وفي عام 2017، حين أجرى شعب كوردستان استفتاء تقرير المصير، لم يجدوا دعماً دولياً يُذكر، ولم تحرك القوى الكبرى ساكناً حين هاجمت القوات العراقية ومعها بعض الميليشيات المسلحة مدينة كركوك، واستولت على مواقع كانت قوات البيشمركة قد حمتها بدمائها الزكية وقدمت في سبيلها مئات الشهداء والجرحى، بعد أن انسحب منها الجيش العراقي إبّان هجوم تنظيم “داعش” عام 2014. حينها بدا بوضوح أن شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ليست سوى حبر على ورق.
واليوم، لا يبدو وضع الكورد في الأجزاء الأربعة بإحسن حال؛ ففي الشمال (تركيا)، برزت منذ مدة محاولة للمصالحة تهدف إلى وضع حزب العمال الكوردستاني للسلاح والانخراط في العملية السياسية السلمية، إلا أن الخطوات تسير ببطء شديد ولم تُتخذ أي خطوة ملموسة حتى الآن.
وفي الجنوب (العراق)، قامت الحكومات العراقية منذ عام 2014 بقطع موازنة إقليم كوردستان، وتصرف رواتب موظفي الإقليم بشكل متقطع جداً، أو تمتنع عن إرسالها بذرائع غير مقبولة، وخير دليل على ذلك هو عدم إرسال رواتب الشهرين الأخيرين من عام 2025 بدون وجه حق.
 
 أما في الشرق (إيران)، فإن حكومة طهران لم تمنح الكورد أي حقوق قومية أو سياسية، بل تواجهم بقمع شديد، ومنعتهم حتى من الدراسة بلغتهم الأم، ناهيك عن إعدام آلاف منهم لمجرد كونهم كورداً. وحتى في ظل الصراع المحتدم بين أميركا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ظلت معاقل الأحزاب الكوردية في الإقليم عرضة لاستهداف مستمر خلف العديد من الضحايا، رغم التزام تلك الأحزاب الصمت وعدم إطلاقها رصاصة واحدة باتجاه العمق الإيراني.  
وفي الغرب (سوريا)، كان وضع الكورد سيئاً للغاية في عهد “البعث”، حيث جُردوا من حقوقهم القومية والسياسية والثقافية. وبعد سقوط النظام في دمشق مؤخراً، كانت هناك مخططات تهدف للنيل من الكورد، لكن بفضل جهود جميع الأطراف، وخصوصاً تكاتف الكورد في كل أنحاء العالم، تم إحباط تلك المخططات، والوضع الآن يميل نحو الاستقرارالنسبي.
ختاماً، ليعلم الجميع أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الحقوق لا تضيع بالتقادم. إن التطلع نحو الحرية حق مشروع، وسيأتي اليوم الذي يرفرف فيه علم كوردستان بين أعلام دول العالم في الأمم المتحدة بإذن الله تعالى؛ فثمة شعوب ودول أقل منا عدداً وأصغر حجماً، لها دولها المستقلة وأعلامها ترفرف في الأمم المتحدة، فما هو “حلالٌ لهم” لا يمكن أن يكون “حراماً علينا”.
 
 

قد يعجبك ايضا