التآخي الاسمُ الذي صارَ وطناً… يكتبُ بالعربية وينبضُ بالكردية

فينوس بابان

في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُقاس بثمنها السياسي، لا بقيمتها الأخلاقية، وُلدت التآخي لتكسر هذا الميزان وتعيد تعريف الصحافة بوصفها موقفاً لا مهنة فقط، منذ صدور عددها الأول في نيسان 1967 لم تكن مجرد صحيفة تُقرأ بل كانت مشروعاً وطنياً يُكتب كل يوم على صفحاتها، حتى غدت بعد تسعةٍ وخمسين عاماً تجربةً لا تُستعاد بالحنين فقط بل تُستحق بالتقدير.
لكن ما لم يُنتبه له كثيراً في تجربة التآخي أنها لم تكن فقط صحيفة سياسية، بل تحوّلاً عميقاً في لغة الخطاب داخل العراق، في زمنٍ كانت فيه اللغة أداة انقسام، اختارت أن تكتب بالعربية عن قضية كردية لا لتترجمها بل لتعيد تعريفها، وهنا تكمن قيمتها، لم تنقل القضية الكردية كقضية خاصة، بل قدمتها بوصفها قضية عراقية عامة، تُطرح بمنطق وطني يتجاوز الانقسام.
ولهذا لم تكن جريدة قومية منغلقة بل جسراً حقيقياً بين الكردي والعربي بين السياسة والثقافة بين الحلم والواقع، ولم تكن افتتاحياتها مجرد نصوص تُقرأ بل مواقف تُنتظر، لأنها لم تكن تنقل الحدث بل تعيد صياغته، وتؤثر في الرأي العام لا أن تتبعه.
إلى جانب ذلك لا يمكن تجاهل أن التآخي لم تكن مجرد منصة سياسية بل شكلت مدرسة صحفية وثقافية تخرّج منها العديد من الصحفيين والكتّاب وأسهمت في بناء جيلٍ من الأقلام التي حملت روحها وأساليبها إلى فضاءات إعلامية أخرى، فهي لم تكن فقط تُنتج النص بل تُنتج الكاتب أيضاً، كما أن تأثيرها لم يكن محصوراً في النخب السياسية بل امتد إلى القارئ العراقي العادي الذي كان يجد فيها مساحة لفهم ما يجري بعيداً عن الخطابات الحادة والمباشرة، كانت تُقرأ بوصفها صحيفة تُفسر الواقع لا فقط تنقله، ولذلك لعبت دوراً في تشكيل رأي عام متدرج وهادئ في بيئة سياسية شديدة التوتر، وفي بعدها الثقافي تجاوزت التآخي كونها صحيفة سياسية، لتصبح مساحة فكرية ناقشت قضايا الهوية والدستور والدولة والحقوق والاختلاف، كانت تفتح ملفات لا تُفتح بسهولة وتمنح للنقاش مساحة أوسع من حدود اللحظة السياسية.
في التآخي لم تكن الكلمات تُكتب بل تُصاغ كبيانات موقف ولم يكن النقد ترفاً بل ضرورة ولهذا لم تكن السلطة مرتاحة لها، لأنها لم تكتفِ بقول ما لا يُقال بل ذهبت أبعد من ذلك: شرحت لماذا لا يُقال، وفككت الروايات الجاهزة وقدمت بديلاً أكثر تماسكاً ووضوحاً.
لم تكن التآخي شاهدة على الأحداث فقط بل فاعلاً فيها، دافعت عن الديمقراطية حين كانت تهمة وعن التعددية حين كانت خطراً وخاضت في قضايا الدستور وشكل الدولة حين كان الاقتراب منها مغامرة، وهنا تحولت من صحيفة إلى ذاكرة سياسية وثقافية بل إلى طريقة تفكير كاملة، وحين توقفت قسراً لم يتوقف صوتها لأن التآخي لم تكن ورقاً يُطبع، بل فكرة تُكتب ولهذا حين عادت بعد 2003 لم تعد كصحيفة تبحث عن موقع بل كاسمٍ يعرف مكانه جيداً لأن الحاجة إليه لم تنتهِ بل ازدادت في زمن تختلط فيه الأصوات وتضيع فيه الحقيقة.
وإذا كان هذا هو تاريخ التآخي فإن استمراره اليوم ليس امتداداً تلقائياً للماضي بل مسؤولية يومية يحملها القائمون عليها، فهم لا يديرون صحيفة فحسب بل يقفون أمام امتحان مستمر، كيف يُحافظ على صوتٍ وُلد جريئاً دون أن يُروّض وكيف يُصان إرثٌ كُتب بالموقف دون أن يُختزل إلى خبر، وهنا تحديداً تتجلى القيمة الحقيقية لدورهم، فالقائمون على التآخي اليوم لا يعملون في إطار مهني تقليدي بل يتحركون داخل معادلة دقيقة بين الحرية والمسؤولية،بين الجرأة والتوازن وبين الوفاء للماضي والاستجابة لتعقيدات الحاضر، إنهم لا يكتبون فقط ما يجب أن يُقال بل يقررون أيضاً ما لا يجوز أن يُفرّط به، إنها أمانة بكل معنى الكلمة لا كشعارٍ يُرفع بل كمسؤوليةٍ أثبت القائمون على التآخي أنهم حملوها بجدارة فهذه الجريدة لم تبقَ لأنها تُدار بل لأنها صُينت ولم يستمر صوتها لأنه يُكتب بل لأنه حُفظ من الانزلاق وبقي وفياً لمعناه الذي تراكم عبر عقود من الثقة والموقف، وفي زمنٍ تتراجع فيه كثير من المؤسسات أمام ضغط الواقع يبقى ما يقوم به هؤلاء أقرب إلى حراسة معنى منه إلى إدارة وسيلة إعلام، لأن الحفاظ على صحيفة بتاريخ التآخي لا يتطلب مهارة فقط، بل شجاعة ووعي وإيمان عميق بأن الكلمة ليست انعكاساً للواقع فقط، بل أداة لتغييره.
ولهذا، إنّ هذا الإرث المتجذر منذ صدور العدد الأول ليس مجرد مناسبة للاحتفاء بل هو امتدادٌ لمسار طويل من الحضور والمعنى، ودليلٌ على أن الصحافة حين تُبنى على الصدق والموقف لا تُقاس بتاريخها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار في لحظة تتغير فيها كل الأشياء من حولها.
وفي ذكراها التاسعة والخمسين، لا تُقال للتآخي تهنئة بقدر ما يُقال، إنها من القلائل التي لم تتغير حين تغيّر كل شيء، ولم تنكسر حين انكسر الكثير، وبقيت لأن الكلمة فيها لم تكن تُكتب… بل كانت تُصان.

قد يعجبك ايضا