كمر : اتقذوا المقام العراقي من الضياع قبل فوات الأوان
التآخي : جاسم حيدر
رغم تزاحم الأصوات في زمننا هذا وتغيير الملامح الأصيلة فيه ، بقي أسم الدكتور محمد حسين كمر واحداً من القامات التي حافظت على نقاء النغمة العراقية، وأعادت تقديمها بروح علمية حديثة دون أن تفقد جذورها، موسيقي جمع بين الموهبة الأكاديمية والتجربة الميدانية، فكان عازفاً وملحناً وأستاذاً ومؤرخاً للمقام العراقي في آن واحد.
في هذا الحوار الذي اجريناه معه ، يفتح كمر صفحات من سيرته الفنية ويتحدث بقلق وحرص عن مشروعه الكبير لتوثيق المقام العراقي، موجهاً نداء صريحاً إلى الجهات المعنية لدعمه قبل فوات الأوان، بادرناه بالسؤال التالي :
# كيف بدأت رحلتك مع الفن و الموسيقى؟
– لا شك أن مشاركتي في برنامج “أصوات شابة” خلال ثمانينات القرن الماضي شكلت محطة مهمة في مسيرتي الفنية ، لكن البدايات الحقيقية تعود إلى التحاقي بمعهد الدراسات النغمية عام 1975 ضمن الدورات التأسيسية. هناك، حيث تم اختياري لدراسة آلة الجوزة على يد أساتذة كبار مثل شعوبي إبراهيم وعبد الرزاق العزاوي، وهو ما أسس لهويتي الموسيقية لاحقاً.
# وما الذي ميز تجربتك في العزف على آلة الجوزة؟
– تتلمذت على يد الفنان الطاجكستاني محمودوف الذي أدخل أساليب علمية حديثة في العزف، وغير الكثير من المفاهيم التقليدية، فتعلمت منه تقنيات القوس والمنهجية الغربية وهو ما ساعدني على تطوير أسلوبي الخاص ونقل آلة الجوزة إلى فضاءات أوسع.
# كيف إنتقلت من طالب إلى أستاذ في المعهد؟
– بعد تخرجي وحصولي على المرتبة الأولى في دورتي، تم تعييني أستاذاً للنظريات الموسيقية وآلة الجوزة بأمر من الأستاذ منير بشير وكنت حينها أصغر أستاذ في المعهد، حينها بدأت بوضع مناهج جديدة لتعليم العزف وهو ما أعتبره من أهم إنجازاتي المبكرة.
# ماذا عن تجربتك في التلحين؟
– بدأت التلحين في الثمانينات وكانت أولى أعمالي أغنية “أحلى عتاب” تلتها أعمال أخرى حصدت جوائز مهمة، علما بأنني أستلهم ألحاني من روح المقام العراقي، لذلك تجد حضور مقامات مثل الخنبات والهُمايون والدشت في معظم أعمالي ممزوجة بأسلوب علمي حديث في التوزيع.
# أسهمت في تقديم العديد من الفنانين، كيف ترى هذه التجربة؟
– أعتبر دعم الأصوات الشابة جزءاً من رسالتي، عملت مع فنانين أصبحوا اليوم نجوماً، كما أشرفت على تدريس أسماء بارزة في الساحة الفنية، فهذه الاستمرارية هي ما يضمن بقاء الفن حياً ومتجدداً.
# لك تجربة واسعة في نشر المقام خارج العراق؟
– نعم، كان لي جولة واسعة مع فرقة المقام التي أسستها عام 1989 في مختلف دول العالم، وشاركت في أكثر من 250 مهرجاناً شملت أكثر من 60 دولة، وكان هدفي من ذلك إيصال المقام العراقي إلى كل مكان، وقد تحقق ذلك إلى حد كبير.
# حدثنا عن تجربتك مع الموسيقى العالمية؟
– شاركت في مشاريع حوار بين الثقافات، منها مزج المقام العراقي مع الجاز والفلامنكو، كما قدمت آلة الجوزة مع أوركسترا سيمفونية في هولندا في تجربة تُعد الأولى من نوعها لعازف عراقي.
# ما هو مشروعك الحالي الذي تدعو لدعمه؟
– أعمل على مشروع كبير لتوثيق المقام العراقي بشكل أكاديمي ومنهجي يتضمن تسجيلات عالية الجودة وكتاباً موثقاً بالنوتات الموسيقية، وهذا المشروع هو خلاصة خبرة نصف قرن وأعتبره مشروع دولة وليس فرد.
# وما الهدف من هذا المشروع الآن؟
– لأننا نخشى ضياع هذا الإرث، فقدنا مؤخراً قامات كبيرة كانت تحمل هذا التراث وإذا لم نتحرك الآن سنخسر الكثير، لذلك فما نقوم به اليوم هو خدمة للأجيال القادمة
# وهل طالبتم الحكومة والمؤسسات الثقافية بدعم مشروعكم هذا ؟
– نعم بالتأكيد، ونجدد الآن دعوتنا لوزارة الثقافة ودائرة الفنون الموسيقية إلى دعم هذا المشروع، لأنه يمثل الهوية الوطنية للعراق، سيما وأن المقام العراقي ليس مجرد فن بل هو ذاكرة شعب وتاريخ وطن.
# وما عن جديدك الفني؟
– لدي مجموعة من الألحان الجديدة لعدد من الشعراء والأصوات الشابة، كما أسست مؤخراً فرقة “جالغي كمر” للتراث الموسيقي العراقي تضم نخبة من العازفين الأكاديميين.
# كلمة أخيرة
– في ختام حديثي أتقدم بالشكر والتقدير والاحترام والامتنان لجريدة “التآخي” سيما وأنا من المتابعين الدائمين للجريدة، وسعيد بهذا اللقاء الذي أتاح لي استذكار مسيرتي الفنية الطويلة، وأتمنى لكم دوام النجاح والتألق، وشكرا لك أستاذ جاسم لاهتمامكم بالفن والفنانين.