هل أنصفت السينما الكورد الفيليين؟ أم تركتهم خارج الكادر؟

مصطفى حسين الفيلي

في السينما، لا تُقاس العدالة بعدد الأحكام، بل بعدد الحكايات التي وجدت طريقها إلى الشاشة.

هناك جرائم لا تموت لأنها صُوِّرت، وأخرى تذوب في العتمة لأنها بقيت خارج الكادر.

في ذكرى 46  التهجير والإبادة التي تعرّض لها الكورد الفيليون، يفرض سؤال نفسه بإلحاح أين كانت الكاميرا؟

ليس بوصفه سؤالاً توثيقياً فقط، بل سؤالاً فنياً وأخلاقياً في آن واحد. فالمأساة هنا مزدوجة ما حدث كان قاسياً بما يكفي ليكون مادة لأفلام كبرى، لكن ما لم يحدث الغياب السينمائي جعله أقرب إلى ما لم يُروَ أصلاً.

السينما العراقية، وربما العربية، لم تُنصف الكورد الفيليين.

لم يكن هناك فيلم روائي أعاد بناء لحظة الاقتلاع، ولا وثائقي منح الشهادات حقها في البقاء، ولا محاولة جادة وضعت هذه القضية ضمن الذاكرة البصرية.

ولم يكن هذا الغياب فنياً فقط، بل امتداداً لتجاهل أوسع. فقد تم تجاهل الكورد الفيليين من الدولة، ومن بعض المنتجين، ومن مختلف الجهات المعنية بالإنتاج الثقافي. ولم يفكر أحد فعلياً في إنتاج عمل سينمائي يخلّد ذكراهم أو ينقل معاناتهم إلى الشاشة. هذا التجاهل لم يكن طارئاً، بل جزءاً من سياق طويل من التهميش استمر لسنوات وما زال مستمراً بأشكال مختلفة حتى اليوم.

كأن الحكاية تُركت خارج النص… خارج الضوء… خارج الخيال.

أكثر من 22 ألف شاب كوردي فيلي اختفوا في العتمة، بلا صورة أخيرة، بلا مشهد وداع، بلا أرشيف يمنحهم حضوراً.

لم يُقتلوا فقط… بل حُذفوا.

ثم ثُبّت هذا الحذف بصمت الكاميرا.

السينما، في جوهرها، ليست أداة للسرد فقط، بل مقاومة للنسيان. وحين تغيب عن مأساة بهذا الحجم، فهي لا تبقى محايدة، بل تترك فراغاً في الوعي.

لأن ما لا يُروى يُنسى، وما يُنسى يمكن أن يتكرر.

هذه ليست فقط مسألة فن، بل مسؤولية ذاكرة.

اليوم، لا يكفي استدعاء الذكرى. الذاكرة تحتاج إلى عدسة.

عدسة تعيد الوجوه إلى الإطار، وتُخرج الأسماء من قوائم الغياب إلى الحضور.

لأن كل رقم كان إنساناً، وكل إنسان كان قصة، وكل قصة تستحق أن تُروى.

أما السينما…

فإن تأخرت كثيراً، قد لا تغفر لها الذاكرة.ً

قد يعجبك ايضا