جودال”.. من معاناة الأم إلى منارة أمل

لقاء خاص مع مؤسسة المنظمة شيلان كوران حول التأسيس والتحديات والطموحات

حاورها: حسو هورمي

في عالمٍ تتزايد فيه التحديات، تبرز منظمة “جودال للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة” بوصفها نموذجًا رائدًا في العمل الإنساني والمجتمعي، إذ نجحت في إحداث نقلة نوعية في رعاية الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال الأيتام وذوو الاحتياجات الخاصة، خصوصًا المصابين باضطرابات سلوكية ونفسية وعقلية، مثل اضطراب طيف التوحد، ومتلازمة أسبرجر، وعسر القراءة والكتابة، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تأسست المنظمة على يد السيدة شيلان كوران، التي حملت على عاتقها مسؤولية التغيير، مستلهمةً فكرتها من تجربة شخصية عميقة، حيث كان لدافع الأمومة وشغفها بمساندة هذه الفئة دورٌ محوري في ولادة هذا المشروع الإنساني.

من الألم تولد المبادرات

تحت مظلة الأمل والإصرار، جاءت فكرة تأسيس “جودال” لبناء مجتمع أكثر شمولًا وتقبّلًا للأطفال الذين يواجهون تحديات استثنائية. وفي حديثها عن البدايات، تقول كوران:

انطلقت فكرة المنظمة من رحم المعاناة والأمل معًا. كأم لطفل يعاني من متلازمة أسبرجر وعسر القراءة واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أدركت أن أولياء الأمور هم الأكثر فهمًا لاحتياجات أبنائهم. ومن هنا، قررت تحويل تجربتي الشخصية إلى عمل يخدم هذه الفئة، بالتعاون مع عائلات أخرى لديها أطفال على طيف التوحد، لنؤسس معًا منظمة تكون صوتًا لهم، تدافع عن حقوقهم وتُعزز الوعي المجتمعي بقضاياهم.”

بهذه الرؤية، تحولت “جودال” إلى منصة جماعية للدفاع عن حقوق الأطفال، ورافعة للوعي المجتمعي، وبيئة داعمة للأسر.

شخصية استثنائية تقود التغيير

لا يمكن الحديث عن “جودال” دون التوقف عند شخصية مؤسستها. فشيلان كوران ليست مجرد موظفة حكومية أو أكاديمية، بل هي أم وناشطة حقوقية تخوض نضالًا يوميًا دفاعًا عن الأطفال المهمّشين. هذا التداخل بين الأدوار منح تجربتها عمقًا استثنائيًا وجعلها مصدر إلهام.

وقد شكّلت معاناتها الشخصية دافعًا قويًا للتحرك، إذ واجهت واقعًا يتسم بضعف الوعي وقصور التشخيص والتهميش المؤسسي، فاختارت أن تحوّل الألم إلى قوة تغيير، مؤمنةً بأن “الصمت جريمة حين يكون طفل توحدي هو الضحية”.

الإطار القانوني ومجالات العمل

توضح كوران أن منظمة “جودال” تُعد نافذة أمل وحماية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد تأسست لسد الفجوة بين معاناة هذه الفئة وضعف الاهتمام بحقوقها.

وهي منظمة مسجلة رسميًا لدى دائرة المنظمات غير الحكومية في إقليم كوردستان منذ عام 2018، وكذلك في العراق الاتحادي عام 2024، بما يضمن شرعية عملها ويعزز من قدرتها على التأثير.

وتتركز مجالات عملها في ثلاثة محاور رئيسية:

الدفاع القانوني والحقوقي

المناصرة

نشر الوعي المجتمعي

كما تعمل المنظمة ضمن إقليم كوردستان، وتسعى للتوسع على مستوى العراق، بالتعاون مع جهات حكومية ومنظمات محلية ودولية.

واقع صعب وأرقام مقلقة

تشير كوران إلى تزايد أعداد الأطفال المصابين بالتوحد، وسط غياب إحصاءات دقيقة، حيث تُقدَّر الأعداد في إقليم كوردستان وحده بأكثر من 4600 طفل، مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى بكثير، نتيجة ضعف الوعي والخجل الاجتماعي وأخطاء التشخيص.

استراتيجية متكاملة ومشاريع ميدانية

تعتمد “جودال” في عملها على ثلاثة مرتكزات أساسية:

1. القانون كأداة لحماية الحقوق

2. نشر الوعي عبر التدريب والندوات والحملات الإعلامية

3. العمل الإحصائي لتوفير بيانات دقيقة

وقد نفذت المنظمة مشاريع متعددة، من أبرزها:

برامج توعوية لرجال الدين وقادة المجتمع

دعم نفسي واجتماعي للأمهات

جلسات حوار مع صناع القرار لتطوير القوانين

إصدار دليل إرشادي حول التوحد بثلاث لغات

تدريب الكوادر التربوية

دعم الأيتام والعائلات المتعففة

أنشطة خاصة بالمناسبات الصحية والإنسانية

برامج داخل المخيمات، ومنها مخيم “شاريا

التحديات: طريق مليء بالعقبات

لم تكن مسيرة “جودال” سهلة، بل واجهت تحديات متعددة، أبرزها:

ضعف الإطار القانوني لحماية الأطفال

محدودية التمويل وتهميش ملف التوحد

ضعف الوعي المجتمعي والوصمة الاجتماعية

نقص الكوادر المتخصصة

غياب التنسيق المؤسسي

ضعف البنية التحتية وقلة البيانات الدقيقة

قصور برامج الدمج التعليمي

ورغم ذلك، شكّلت هذه التحديات دافعًا للاستمرار لا عائقًا للتراجع.

تطلعات مستقبلية

تطمح المنظمة إلى تنفيذ مشاريع نوعية، منها:

إنشاء مراكز للتشخيص المبكر والتدخل السلوكي

تطوير برامج دمج تعليمي فعّالة

بناء قاعدة بيانات وطنية

إطلاق حملات توعية واسعة

تدريب الكوادر المتخصصة

توفير خطوط دعم واستشارات مجانية للأسر

كلمة أخيرة

إن “جودال” ليست مجرد منظمة، بل قصة إنسانية ملهمة تجسد كيف يمكن للألم أن يتحول إلى أمل، وللمعاناة أن تصبح قوة تغيير.

لقد نجحت شيلان كوران في تحويل تجربتها الشخصية إلى مشروع مجتمعي مؤثر، ليصبح اسم “جودال” رمزًا للأمل، ومنارةً لكل عائلة تبحث عن الدعم والاحتواء.

إنها دعوة مفتوحة للجميع للتكاتف من أجل بناء مجتمع أكثر عدلًا وشمولًا، يمنح كل طفل حقه في الحياة الكريمة.

قد يعجبك ايضا