التآخي – ناهي العامري
الاقتصاد العراقي يمر بأزمات خانقة، أدت الى ضعفه وركوده، وانعكست تداعياته على مجمل الحياة المعاشية للمواطنين.
التأخي ارتأت قيامها بسلسلة حوارات إقتصادية مع الاستاذ ثامر الهيمص، لالقاء الضوء على أهم الملفات الاقتصادية التي تحتاج الى معالجات عاجلة لاجل النهوض بالاقتصاد العراقي، وبدأنا بالجزء الاول من السلسة، وهو الاعتماد على ريع آحادي الجانب المتمثل بالنفط.
بدأ حوارنا عن اسباب تمادي الجهات الحكومية، في تسفيه دعوات المتخصصين الاقتصاديين، واللامبالاة لنصحهم وارشاداتهم في عدم الاعتماد على الريع النفطي في ادارة الدولة، واهمال الجوانب الاقتصادية التي تنعش عجلة الاقتصاد، مثل احياء الشركات والمصانع الانتاجية ، دعم الزراعة وكذلك السياحة وغيرها من الجوانب التي تصب في النهوض الاقتصادي ، واجاب الهيمص مشكورا:
بما ان العراق مر وسيمر بأزمات غالبا ما تكون سياسية الطابع، مما جعل من المورد النفطي وكأنه خزانة مفتوحة لرجل السياسة فقط، اعتبارا من أواخر الستينات، ليتجسد ذلك عمليا في الحرب العراقية الايرانية، حيث ارتفع الاعتماد على النفط لاكثر من ٦٠٪ – ٧٠٪ للموازنة الاعتيادية السنوية، وهكذا استمر الحال في تزايد نتيجة الحصار الاقتصادي في التسعينيات وصولا الى الارتباك السياسي والاقتصادي بعد ٢٠٠٣ لغاية الآن، حيث بلغت وارادات النفط تشكل اكثر من ٩٠٪ من الموازنة الاعتيادية السنوية، وبما ان الدولة اكتفت بهذا المنهاج اعلاه، أهملت بقصد أو بدون قصد الزراعة والصناعة والخدمات، بما فيها الصحية والتربوية والتعليمية، حيث تغطي الدولة رواتب لاكثر من ٨ مليون – ٩ مليون يستلمون من الدولة، ما يعني ان هناك حد أدنى لتغطية الحاجات الأساسية، كما تمثلها البطاقة التموينية ورواتب الاعانات، مما سهل على الدول المجاورة على الاقل للاستثمار في التجارة ( صادراتها الى العراق بشكل كامل تقريبا)، بحيث لا يغطي الانتاج الوطني ١٠٪ من الحاجات المحلية الاساسية، الغذائية والدوائية والاحتياجات الأخرى، لذا أهمل نسبيا الملف المائي في هذا السياق، واهملت الگمارگ لحماية الصناعة العراقية، مما فاقم الاعتماد على النفط اولاً واخيرا، بحيث أي خلل أمني أو عسكري في الشرق الأوسط أو خارجهفيما لو يؤدي مباشرة الى انخفاض سعر النفط، كونه لا علاقة له بالعرض والطلب أولا، وثانيا مرتبط بالعمل السياسي الدولي الاجمالي، أي حساس جدا وليس لنا أي سلطة على السعر المعلن على النفط من أوبك أو خارجها.
وعن تقديرات الخسائر التي يتكبدها العراق، في حال استمرار حرب الشرق اوسطية، قال:
بما ان الحرب اصبحت مجرد صراع بين خطين، الخط الروسي الصيني والخط الامريكي الاسرائيلي، في جوهرة يعتمد على كيفية ادارة تجارة النفط والغاز عالميا ، أي الطاقة، الخط الصيني الروسي المسمى بطريق الحرير، والخط الامريكي المزمع هو توجيه مسارات الطاقة في الشرق الأوسط، لتبدأ من جنوب الموانئ المملكة السعودية ودول الخليج، باقامة انبوب مباشر للطاقة ( غاز ونفط) من طريق بحري يربط تلك الدول بميناء ايلات الاسرائيلي، في حين طريق الحريرني الذي يمر بالعراق وصولا الى تركيا ، من خلال الفاو زاخو ، كلفته أقل من كلفتة نقل النفط والغاز عن طريق ايلات، وحتى طريق قناة السويس كذلك، حيث يصل الفرق بين الكلفتين اكثر من ١٥ دولار للطن الواحد.
وحول وقوع العراق وسط الصراع، وما يجري من تحول، وهل يمتلك ادوات لتجاوز المرحلة؟ اجاب:
بما ان العراق لا زال يعاني من تبعات الاحتلال الامريكي، من خلال المحاصصة واختلاف الولاءات المحلية، حول المشروعين آنفا الذكر، لذلك باتت الارادة السياسية تاخذ طابعا طائفيا عنصريا وحسب التسميات المعلنة رسميا وبشكل واضح، لذلك لا يسع العراق ان يتقدم في هذا المجال ، اي التحرك نحو اقامة طريق الحرير، في ضوء ما تقدم تتحدد السياسات المرحلية الحالية، حيث تفتقر الى وحدة الارادة الوطنية ، لذا لا بد من اعادة في القوانين التي فسرت المواد الدستورية كل حسب توجهاته، كما نلحظها في اخطر موضوع هو قانون النفط والغاز ، المختلف عليه منذ ٢٠٠٦ ولحد الأن، أو غماقامة شركة النفط الوطنية، وهذا الاختلاف الاساسي في تقسيم ثروة البلاد وفق قساوةالنص الدستوريغرض، بأن النفط ملك الشعب العراقي، وما دامت هذه الخلافات قائمة وستبقى ما دام ليس هناك علاجا آنياٰ، رغم قساوة الظروف الحالية، كما نلمسها في ابسط اشكالها، بما يسمى بأزمة الرواتب، بسبب تحول تلك الرواتب من ريع النفط مباشرة.
ختام حوارنا كان عن الحل لتلك الازمة التي تبدو مستعصية، في هذا الجانب قال: في تقديري الشخصي، ولغرض صناعة ارادة وطنية حقيقية لحسم هذا الامر الخطير والمصيري، هو البدأ من أعلى السلم، وهو ان يتم الاتفاق على اقامة انتخابات وحسب القانون لمجالس الشعب في الأقضية والنواحي، من حدودها الجغرافية الحالية، لينتخبوا من ابنائهم فقط من يمثلون مصالحهم مباشرة وفق الدستور، لان العراقيين، متساوون في الحقوق والواجبات، لذلك ينبغي اقامة الغرفة الثانية، أي مجلس الاعيان أو مجلس الشيوخ، لمتابعة هذا الامر، لخلق ارادة وطنية حقيقية ومهيمنة على قرارات البرلمان، التي يرفعها له مجالس المحافظات، وفق الدستور كما ورد اعلاه. واضاف الهيمص:
من جانب آخر يجب اعادة الاعتبار للهيئات العامة، مثل هيئة الرقابة المالية كي تضبط مدخلات ومخرجات الواردات والنفقات، لغرض سد الباب امام الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، ومن الممكن اضافة عوامل معززة للوطنية ومصداقيتها لاقامة التجنيد الالزامي، والجدية في اقامة حملات محو الامية، كعوامل للرابطة الوطنية والوعي المتعلق بها.