ثلاثية في الذنب والفقد

ماهين شيخاني

“ليس كل الأطفال يولدون. بعضهم يمرّ بين يدين، كشيء مؤقت. ثم يبقى… قبضة باردة في ذاكرة لا تموت.”

(1)
محفظة من لحم

لم يكن رياض يحب أن يتذكر القرية.
في ألمانيا، كان كل شيء نظيفاً، واضحاً، محسوباً.
العمل يساوي مالاً.
والمال… يساوي حياة.
أما هناك، فالتعب لا يكفي،
والحب لا يُطعم،
والأحلام تموت قبل أن تُولد.
حين مات والده، عاد.
البيت بدا كذكرى باهتة،
وأمه عند الباب… كأنها تنتظر شيئاً لن يأتي.
في تلك الليلة، لم يشعر بالحزن…
بل بشيء يشبه الضيق.
وكان يريد… أن ينتهي كل شيء بسرعة.
مريم.
أرملة بثلاثة أطفال، وصوتٍ مثقلٍ بالرجاء.
وافقت على الزواج… دون أسئلة.
لم يعش معها كزوج.
كان يؤدي دوراً.
وحين عاد إلى ألمانيا… لم يلتفت.
بعد أشهر:
“أنا حامل.”
سكت.
ثم أغلق الهاتف.
عاد… ومعه محامٍ.
والطفل… بين يديها.
“سننهي الأمر.”
في الصباح…
لم يعد الطفل معها.
في ألمانيا…
أمسك الطفل إصبعه.
بقوة.
في الليل…
بكى.
ثم… سكت.
وفي الليلة التي بعدها…
شعر رياض بشيء يمسك إصبعه.
قبضة صغيرة.
باردة.
لا تُرى.
“أنا… لم أفعل شيئاً…”
لكن يده…
بقيت ترتجف.

(2)
مريم… بعد الفقد

لم تبكِ مريم يوم رحلت.
وهذا ما أخافها.
في الحافلة…
امرأة تهدهد طفلها.
يمين… يسار…
يد مريم ارتفعت…
ثم توقفت.
في البيت الجديد…
وضعت وسادة قربها.
مدّت يدها…
تبحث.
لم تجد شيئاً.
لكنها لم تسحب يدها.
في الليل…
سمعت أنيناً خفيفاً.
ليس بكاءً…
لكن قريب منه.
“كم طفلاً لديكِ؟”
“ثلاثة…”
ثم سكتت.
كأن الرقم… ناقص.
كانت تستيقظ أحياناً…
تشعر بأن أحداً يتنفس قربها.
تمد يدها…
هواء.
وفي إحدى الليالي…
وضعت يدها على صدرها:
“أنا… أم.”
لكن الصوت… انكسر.
جلست على الأرض.
وبكت.
بصمت.
ثم شعرت به.
ضغطٌ خفيف…
على ذراعها.
كما لو أن رأساً صغيراً… عاد.
“لا تذهب…”
اختفى.
“أنا لم أبعك…”
صمتت.
“أنا… فقط… لم أعرف كيف أحتفظ بك.”

(3)
الطفل الذي لم يُسمَّ

لم يعرف أحد اسمه.
لأنه… لم يُمنح وقتًا كافيًا ليُسمّى.
لم يُسجَّل في دفتر.
لم يُنادى.
لم يُوبَّخ.
لم يُدلَّل.
مرّ بين يدين…
كشيءٍ مؤقت.
يدٌ أعطته…
ويدٌ أخذته…
ويدٌ ثالثة…
لم تعرف كيف تمسكه.
في الليل…
كان يستيقظ.
لا يبكي.
فقط… ينتظر.
ينتظر صوتاً يعرفه.
دفئاً… يشبه البداية.
لكن الأصوات كانت غريبة.
والأيدي… باردة.
حاول أن يتمسك.
مرة.
بإصبع.
قبضة صغيرة…
بكل ما يملك.
كأنه يقول:
أنا هنا.
لكن اليد…
لم تفهم.
وفي مكانٍ ما…
بين نومٍ لم يكتمل…
ونَفَسٍ انقطع…
توقف.
لم يمت…
ولم يعش.
فقط…
بقي.
صار إحساساً.
قبضةً لا تُرى.
ثقلاً على ذراع.
أنيناً خفيفاً… في الليل.
يذهب بينهما.
بين رجلٍ يقول:
“لم أفعل شيئاً”
وامرأةٍ تقول:
“لم أعرف كيف أحتفظ بك”
ويظل…
بين الكلمتين.
ينتظر…
اسماً.

الخاتمة:
هذه ليست قصة عن طفل…
بل عن عالمٍ
يمكن أن يتحول فيه الإنسان
إلى وسيلة.
عن أبٍ لم يقتل…
لكنه لم يُنقذ.
وعن أمٍ لم تَبِع…
لكنها لم تستطع أن تتمسك.
وعن شيءٍ ثالث…
لا يموت.
ولا يختفي.
إنه فقط… يبقى.

قد يعجبك ايضا