محمد علي محيي الدين
في الموصل، المدينة التي تتكئ على إرثٍ عريق من العلم واللغة والتقاليد، وُلد عام 1909 اسحق حنا عيسى أسطيفان سفر، المعروف بـ«عيسكو»، ليكون واحدًا من أولئك الذين نذروا حياتهم لخدمة الكلمة، وتربية الأجيال، وصيانة التراث من النسيان. نشأ في بيئةٍ تُجلّ المعرفة، فأكمل دراسته في مدينته، ثم تخرّج في دار المعلمين عام 1927، حاملاً معه بذور رسالةٍ لم تكن مجرد وظيفة، بل التزامًا أخلاقيًا وثقافيًا.
دخل ميدان التعليم، فكان مربّيًا قبل أن يكون معلّمًا، وأثّر في نفوس طلبته بما امتلكه من علمٍ رصين وشخصيةٍ متزنة. تولّى إدارة مدرسة شمعون الصفا في الموصل بين عامي 1959 و1965، فكان إداريًا حكيمًا ومعلّمًا قديرًا، عرف كيف يجمع بين الانضباط والرحمة، وبين صرامة المنهج ودفء العلاقة الإنسانية. وقد عُرف بتميّزه في تدريس اللغة العربية، تلك اللغة التي أحبها وأخلص لها، حتى غدت في يديه أداة بناءٍ للذوق والوعي معًا.
ولم يكن اهتمامه باللغة مقتصرًا على التدريس، بل تجاوزه إلى جماليات الحرف، فاشتهر بخطه العربي الجميل، الذي يعكس صبرًا ودقة وذائقة فنية رفيعة. وكان إلى جانب العربية يتقن السريانية والإنكليزية، مما أتاح له الاطلاع على مصادر متعددة، وأسهم في توسيع أفقه الثقافي، وجعله أكثر قدرة على التواصل مع التراث الإنساني بمختلف لغاته.

امتلك مكتبة نفيسة، ضمّت كتبًا قيّمة في الأدب والتاريخ والتراث، فكانت له بمثابة عالمٍ خاص، يغترف منه ويضيف إليه، في علاقةٍ حميمة بين القارئ والكتاب. ومن هذا العالم انطلق إلى الكتابة، فنشر مقالاته في عدد من المجلات، منها «الجزيرة» و«النور» و«المجلة البطريركية» في دمشق، كما كتب في مجلة «النجم» الموصلية التي كان يصدرها المطران الأستاذ سليمان الصائغ، فكان حضوره واضحًا في المشهد الثقافي، متنوعًا بين الأدب واللغة والتراث.
غير أن اهتمامه الأبرز كان منصبًّا على التراث الشعبي، حيث أدرك مبكرًا أن ذاكرة الشعوب لا تُحفظ في الكتب الرسمية وحدها، بل في الحكايات والأغاني والعادات التي تتناقلها الأجيال. فكتب في مجلة التراث الشعبي العراقية عددًا من الدراسات والمقالات التي وثّق فيها جوانب من الحياة الشعبية، مسهمًا في حفظ هذا الإرث من الضياع، ومقدمًا مادةً علمية ذات قيمة للباحثين.
ولم يقتصر عطاؤه على التأليف والبحث، بل امتد إلى الترجمة، فقام بترجمة كتاب المستشرق الأميركي فاندايك «المجوسي الرابع» عام 1937، ثم أعيد طبعه عام 1973، في جهدٍ يعكس انفتاحه على الثقافات الأخرى، ورغبته في نقل المعرفة إلى القارئ العربي بلغةٍ واضحة وأسلوبٍ رصين.
كما كانت له مشاركة في موسوعة الموصل التراثية التي جمعها وأعدها الأستاذ أزهر العبيدي، حيث أسهم بعدد من المقالات التي تثري هذا العمل الموسوعي، وتؤكد مكانته بين المهتمين بتاريخ المدينة وتراثها.
لقد كان اسحق عيسكو من أولئك المربين الذين لا يكتفون بإيصال المعرفة، بل يزرعون في طلابهم حبها، ويغرسون فيهم قيمة الاجتهاد والسعي، فترك أثرًا طيبًا في نفوس من تتلمذوا على يديه، وبقيت ذكراه حيّة في ذاكرة التعليم والثقافة في الموصل.
وفي عام 1994، أسدل الستار على حياةٍ حافلة بالعطاء، غير أن ما خلّفه من علمٍ وأثرٍ إنساني ظل شاهدًا على رجلٍ آمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن التراث أمانة، وأن التعليم رسالة لا تنتهي بانتهاء العمر، بل تستمر في كل عقلٍ أنارته، وكل روحٍ أيقظتها.