ماهين شيخاني
ولد والدي يتيماً…
لم يُكمل عامه الأول حين توفي جدي.
كانت جدتي تروي الحكاية بصوتٍ يرتجف:
“كان صغيراً… يحبو على الأرض حين بلغني الخبر.”
له أخت تكبره، شاطرت أمّها الحزن، وتقاسمت معها صمت الأرامل الطويل.
دخل المدرسة الابتدائية بحقيبةٍ من التنك، يلمع معدنها تحت شمس الريف.
كان في قلبه شغفٌ لا ينطفئ، لكنّه غادر المدرسة في الصف الخامس… لا بسبب فشل، بل خوفاً.
ضحك يوماً مع زملائه حين قام أحدهم بحركة طريفة عند ذكر اسم “إبراهيم هنانو”،
فخشي أن يُحسب ذلك تهكّمًا على رمزٍ وطني،
فترك المدرسة… كما يُترك بيتٌ لم يعد آمناً.
في الخامسة عشرة، حمل محشًّا في موسم الحصاد، وصار ظلّه على الأرض أطول من عمره.
كان صغيراً على المشقّة… كبيراً على الفقر.
لم تتزوج أمه بعد أبيه،
بقيت وفية لذكراه، وربّته بكرامتها وصبرها، وهو حمل عنها عبء الحياة في عزّ شبابه.
ومع ذلك، لم يفقد شغفه بالمعرفة.
كان يحمل كتب السيرة والروايات إلى الحقول، يقرأها عند الغروب، أو تحت شجرةٍ لا تملك ظلّها وعرف من هو إبراهيم هنانو.
تزوّج قبل العشرين،
وعمل سائقاً لحصادة في مواسم الصيف،
وفي بقية العام تاجر بالأغنام.
وفي أواسط السبعينات، اشترى مع قريبٍ له سيارة “جيب ولس”،
وكان من أوائل من قادوا السيارات بين القرى على الطرق الترابية.
كان يخرج كل صباح، كأنّه يفتح باباً جديداً للرزق.
كان بسيطاً بلا تكلّف، صادقاً بلا ادّعاء،
محبوباً دون أن يسعى لذلك.
كان الناس يأتمنونه على أسرارهم،
قبل أن يأتمنوه على أمتعتهم.
حين يعود من مواسمه، لا يعود فارغ اليدين.
كنت أنتظره عند أول الطريق،
فيُلوّح لي من بعيد،
ثم يُخرج من كيسه قطاةً صغيرة…
تحمل رائحة الحقول وطعم الغياب.
وأحياناً، كان يجلب لي زوجاً من طيور الحمام،
يعاملهما برقة…
كأنّه يستعيد بهما طفولة لم يعشها.
كان يحب قوميته، ويعلّمنا حبّ الإنسانية.
لا يعرف الحقد، ولا يجيد الحسد.
كان قلبه… نافذةً على بياضٍ لا يعرف الظل.
كان يحدّثني عن فقره، عن الجوع، عن أيامٍ كان يعمل فيها بلا ماء ولا نظافة،
حتى دخل القمل عينيه يوماً.
لم أره يضحك كثيراً، فكنت أظنّ أن الرجال لا يضحكون.
قال لي مرة:
“ما عانى أحد كما عانيت… يتيم، فقير، وحيد…ومع ذلك أحمد الله… رزقني المال والبنين.”
في إحدى المناسبات، التقينا برجلٍ كان يعرفه منذ زمن، فقال لي:
“أحرص على والدك… هو رجل عصامي، صنع نفسه بنفسه.
ولد فقيراً… وترك أثراً لا يُشترى.”
قبل وفاته، كان في المشفى.
زرته ذات ليلة، وحين هممت بالخروج لأشتري سجائر، نظر إليّ بعينين شاحبتين وقال:
“بني… أنا هنا بسبب الدخان.
تركه صعب… لكنه رفيق سوء.
إن استطعت، اتركه…وإن لم تستطع، فاحمل معك علبة احتياطية.”
للأسف…
لم أنفّذ إلا وصيته الثانية.
اليوم…
كلما سرتُ في طريق،
أو شممت رائحة القمح،
أو رأيت طائراً يعبر السماء، أراه.
ليس في الذاكرة فقط…
بل في الأشياء.
صوته، ابتسامته الخافتة، رائحته التي كانت تختلط بالدخان وتراب الأرض،
ما زالت تسكنني.
كنت يتيماً…
فصرتَ لي أباً.
وكنت فقيراً…
فتركت لي كنزاً لا يُباع.
لم تترك لي مالاً، لكنّك تركت ما هو أثمن:
اسماً نظيفاً،
وذكرى لا تشيخ، وصورة رجلٍ علّمني
أن تكون الرجولة رحمة، والطيبة قوة،
والكرامة… صمتاً لا يُكسر.
أبي…
أعلم أنك الآن في سلام،
لكنّي ما زلت أحملك في قلبي
كأنك لم ترحل.
وكلما هممتُ بإشعال سيجارة…
تذكّرتك،
فأطفئها…
وأقرأ على روحك الفاتحة.