العلامة احمد الباليساني سليلُ السِّفرِ المفتوح

محمد علي محيي الدين

في تخوم الجبال التي تعانق سماء كردستان، حيث تتوارث القرى أسماءها كما تتوارث الأسر علومها، وُلد الشيخ محمد بن طه الباليساني، لا بوصفه فردًا عادياً في سلسلة نسب، بل حلقة حيّة في سِفرٍ مفتوحٍ من العلم لم يُغلق منذ قرون. كان نسبه ممتدًّا في الزمن، يعرج على بيوتٍ لم تعرف غير الكتاب محرابًا، وغير العلم نسبًا، حتى قيل إن آباءه على امتداد خمسين جيلاً لم يخلُ منهم عالم. ولم يكن ذلك القول مبالغة تأبينية، بل شهادة زمنٍ بأكمله على بيتٍ جعل من المعرفة ميراثًا لا ينقطع.
في قرية باليسان، تلك البقعة التي بدت كأنها خُلقت لتكون مدرسة قبل أن تكون موطنًا، نشأ الفتى محمد في ظل أبيه، فحفظ القرآن صغيرًا، ولامس أوائل العلوم، غير أن القدر عاجله بفقد أبيه وهو في مقتبل العمر، فحملته أمّه – بقلبٍ مفعم بالخشية والأمل – إلى مسارات العلم، متنقلاً بين القرى، يطلب المعرفة كما يُطلب الماء في الصحارى. لم تكن رحلته ترفًا فكريًا، بل كانت سُنّة ذلك الزمان، حيث لا يولد العالم إلا من رحم الترحال.

تتلمذ على أيدي العلماء، وأخذ عنهم، حتى استوت شخصيته العلمية، فنال الإجازة، وعاد إلى قريته ليكون إمامًا وخطيبًا ومدرّسًا، يجمع بين المنبر والمحراب وحلقة الدرس، وكأنما أُوكلت إليه مهمة إحياء ما ورثه من آبائه. كان صوته في تلاوة القرآن ينساب رقراقًا، وبيانه في الخطابة مشدودًا إلى القلوب، فذاع صيته، وتجاوز أثره حدود قريته، حتى استُدعي إلى بيارة، تلك الحاضرة التي كانت تمور بالتصوف والعلم، فمكث فيها سنوات، يغرس علمه في تربةٍ كانت مهيأة للإنبات.
غير أن حياته لم تكن خطًا مستقيمًا، بل كانت انعكاسًا لزمنٍ مضطرب، تتداخل فيه السياسة بالدين، والسلطة بالفكرة. عاد إلى أربيل، ثم تنقل بين المساجد، حتى استقر به المقام في بغداد، بعد أن خبر المنفى الداخلي حين اضطر إلى اللجوء إلى الجبال هربًا من ملاحقة السلطة. لم يكن هروبه خوفًا، بل كان موقفًا؛ فقد وقف معترضًا على ما رآه خروجًا عن أحكام الشريعة، كما وقف في الوقت نفسه مؤيدًا للإصلاح الاجتماعي حين رآه عدلاً، فكان بذلك نموذجًا للعالم الذي لا يُختزل في موقفٍ واحد، ولا يُصنَّف في خانةٍ ضيقة.
في كويسنجق، ثم في كبيسة، وأخيرًا في بغداد، لم يكن مجرد إمامٍ يؤدي وظيفة، بل كان مركز إشعاعٍ علميّ واجتماعي، يجمع حوله العلماء والطلاب، ويحوّل المجالس إلى فضاءاتٍ حية للحوار، تمتد من الفقه والتفسير إلى الأدب والطرفة، في صورة نادرة لعالمٍ يدرك أن العقل لا ينمو في الجفاف. وقد ترك أثرًا عميقًا في طلابه، الذين خرجوا من تحت عباءته أكثر انفتاحًا واتزانًا، بعدما حرص على أن يوسّع مداركهم، ويحررهم من ضيق التعصب، ويعرّفهم بسعة المذاهب.
كان فقهه قائمًا على التيسير دون تفريط، وعلى الجمع دون تمييع؛ شافعيّ المذهب في الأصل، لكنه لا يرى في المذاهب جزرًا متباعدة، بل أنهارًا تصب في بحرٍ واحد. لذلك كان يعرض للمستفتي أقوال العلماء، ويترك له حرية الأخذ، كأنما يريد أن يربّي في الناس مسؤولية الاختيار لا تبعية الاتباع. ومع ذلك، لم يكن تساهله بلا حدود، فقد وقف بحزمٍ في قضايا رآها جوهرية، كتحريم الربا، والتشدد في بعض مظاهر الانفلات الاجتماعي، مؤمنًا أن التوازن لا يعني التنازل.
أما نظرته إلى الخلاف، فكانت أرحب من أن تضيقها المدارس؛ إذ رأى في اختلاف العلماء سعةً ورحمة، لا ميدانًا للخصومة، وكان يرفض أن تتحول الفروع إلى معارك، أو أن تُستنزف طاقة الأمة في جدالات لا تُنتج حياة. لذلك كان يدعو إلى توجيه الجهد نحو ما اعتبره المعركة الكبرى: إنقاذ الإنسان المسلم من التبعية والضعف، وإعادة الدين إلى موقعه في الحياة، لا كطقوسٍ معزولة، بل كنظامٍ فاعل.
وفي التفسير، تجلّت شخصيته بأوضح صورها؛ لم يكن مقلدًا محضًا، ولا مجددًا منفلتًا، بل كان يسير بينهما بوعيٍ دقيق. يبدأ القرآن بالقرآن، فإن أعوزه البيان، رجع إلى السنة، ثم إلى اللغة والعقل، دون أن يتردد في الإفادة من معطيات العصر. كان يرى أن معاني القرآن لا تنفد، وأن النصّ أوسع من أن يُحصر في زمنٍ واحد، شرط أن يُفهم ضمن أصوله. لذلك جاءت عبارته سهلة، قريبة من الناس، متحررة من تعقيدٍ لا يخدم المعنى، لأنه كان يؤمن أن القرآن لم يُنزَل للنخبة وحدها، بل للناس كافة، وأن اللغة إذا تحولت إلى حاجز، خانت رسالتها.
وقد انعكس هذا الفهم في أسلوبه، حيث مزج بين العلم والحكاية، وبين الفكرة والمثال، وبين السؤال والجواب، فكان تفسيره أقرب إلى مجلس حيّ منه إلى نص جامد. ولم يكن ذلك ضعفًا في الأدوات، بل اختيارًا واعيًا، عبّر عنه حين سُئل عن بساطة لغته، فأجاب بما يشبه البيان الفكري الكامل: إن الغاية أن يفهم الناس، لا أن يُعجبوا.
وعلى الرغم من سعة علمه، وتنوع معارفه في الفقه والعقيدة واللغة والمنطق والفلك، ظلّ وفيًّا لجوهر رسالته: أن يكون قريبًا من الناس، حاضرًا في همومهم، وأن يفتح لهم باب الدين دون أن يثقلهم بأعباء لا يطيقونها. لذلك، حين اعتزل الوظيفة، لم يعتزل التأثير؛ إذ تحوّل بيته الصغير إلى مدرسة مفتوحة، يؤمّه طلاب العلم، ويقصده المستفتون، وكأنما ضاقت به المؤسسات فاتسع له البيت.
ولما رحل في ربيع عام 1995، لم يكن موته حدثًا عابرًا، بل كان مشهدًا جمعيًّا، خرجت فيه بغداد تودّع رجلًا أحبّها وأحبّته. سار المشيّعون خلف جنازته كما يُشيّع تاريخٌ قطعةً منه، حتى وُوري الثرى في رحاب الشيخ عبد القادر الكيلاني، كأنما عاد إلى سلالةٍ أخرى من النور.
هكذا انطفأت حياة، لكنها لم تنطفئ أثرًا؛ فقد بقي في طلابه، وفي كتبه، وفي تلك الروح التي كانت ترى في العلم رسالة، وفي الاختلاف رحمة، وفي الدين حياةً لا تُختزل في قولٍ أو مذهب. كان، في جوهره، سليلَ السِّفر المفتوح… الذي لا يزال يُقرأ.

قد يعجبك ايضا