د. خالد عامر الحديثي
ليس مستغربًا أن يميل النقد الأدبي، في أكثر تياراته رسوخًا، إلى التسلح بمناهج صارمة في مقاربة النصوص، تتنوّع بين البنيوية والتفكيكية وما بعدهما. بيد أن القارئ العادي — الذي يظل بعيدًا عن هذه التعقيدات — لم يجد في تلك المقاربات ما يعبّر عن علاقته الحميمية بالنص؛ علاقة تقوم على الحسّ المباشر والمشاعر الجياشة. من هنا يبرز توجه نقدي معاصر يمكن أن نطلق عليه اسم “النقد العاطفي”، الذي يجعل من الاستجابة الشعورية محورًا رئيسًا في تقدير النص، لا مجرد هامش ثانوي كما جرت العادة.
فالنقد العاطفي مقاربة تنطلق من أثر النص في نفس القارئ، فتتخذ من التأثّر — دهشةً، ألمًا، قلقًا، أو طمأنينة — مفتاحًا للتأويل. وهو لا يلغي العقل، بل يوازن بين الشعور والفكر، إذ إن التجربة الأدبية في جوهرها تجربة وجدانية.
تعود جذور هذا النهج إلى منابت قديمة في تراثنا النقدي، حيث كان وصف الشعر يُقاس بمعيار “النشوة” و”الوقْع” في النفس. لكنه يعود اليوم في ثوب جديد، يستفيد من علم النفس المعاصر، ونظريات التلقي، ومدارس جماليات التفاعل، التي أعادت الاعتبار إلى القارئ بصفته طرفًا فاعلًا في إنتاج المعنى.
في هذا اللون من النقد، يصير القارئ محور العملية النقدية، إذ لم يعد السؤال: “ماذا يضمّن النص؟” فقط، بل: “ماذا يصنع النص بنا؟”. وهنا تتحوّل القراءة من عملية تحليل جاف إلى تجربة حيّة تتشابك فيها الذات مع الموضوع.
ومع أن هذا التوجه يبدو انسيابيًا وغير مقيد، فإنه ينهض على وسائل محددة، منها:
· رصد الانفعالات التي تتولّد أثناء القراءة.
· فحص الأسلوب من خلال حمولته الوجدانية.
· دراسة الوزن والإيقاع وتأثيرهما في ذهنية المتلقّي.
· مقارنة استجابات قرّاء مختلفين لنص واحد.
غير أن هذا النهج لم يسلم من معارضات، أبرزها: اتهامه بالذاتية المفرطة، وصعوبة التعميم، وغياب معايير ثابتة للحكم، فضلًا عن خطر الانزلاق إلى انطباعية فضفاضة، أو إهمال البنى النصية لصالح الانفعال وحده.
وبرغم هذه التحديات، فإن النقد العاطفي يعيد إلى الأدب نبضه الحقيقي، ويقرّب فعل القراءة من روح المتلقي، ويحدّ من احتكار المقاربات الجافة للدراسات الأدبية. كما يفتح طريقًا لوصل الأدب بعلم النفس، مانحًا التجربة النقدية بُعدًا إنسانيًا أعمق.
وليس الهدف من هذا النقد إلغاء المناهج الأخرى، بل موازنتها، وإعادة الاعتبار للإنسان القارئ بصفته كائنًا يشعر قبل أن يفسّر. فالنص الأدبي في أصله وليد روح تريد أن تلامس روحًا.