محمد علي محيي الدين
في أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت مدن العراق تنوء بثقل التحولات بين أفول الدولة العثمانية وتكوّن ملامح العصر الحديث، وُلد إبراهيم أدهم بن مصطفى نور الدين الواعظ في مدينة الحلة يوم الثامن عشر من كانون الثاني سنة 1893، في بيتٍ يجمع بين النسب الهاشمي العريق والعلم الديني المتين، إذ ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم، وكان أبوه مفتياً ومتصرفاً، يجمع بين سلطة الفتوى وهيبة الإدارة.
نشأ الفتى في الحلة والديوانية، وترعرع في بيئةٍ مشبعة بالعلم واللغة، فنهل من معين أسرته، وتلقى علومه الأولى على يد أخيه الأكبر إسماعيل الواعظ، ثم تفتح وعيه على أيدي أعلام عصره من كبار العلماء والأدباء، فكان لذلك أثره البالغ في تكوين شخصيته التي جمعت بين نزعة عقلية رصينة وذائقة أدبية مرهفة.
ولم تلبث آفاقه أن اتسعت حين صحب والده إلى إسطنبول، حيث اكتملت ملامح نضجه العلمي؛ فأتم دراسته الإعدادية هناك، وأجاد التركية العثمانية، ثم التحق بكلية الحقوق وتخرج فيها سنة 1921. وفي تلك المدينة التي كانت تضج بالحراك الفكري والسياسي، أسهم في تأسيس “المنتدى الأدبي”، وكأنه منذ شبابه كان يدرك أن الكلمة لا تقل أثراً عن الفعل.

عاد إلى العراق ليبدأ مسيرته المهنية في المحاماة، فكان من رجال القانون الذين جمعوا بين الحجة والبيان، وظل يمارسها حتى عام 1944، غير أن حياته لم تكن محصورة في قاعات المحاكم، بل امتدت إلى ميادين شتى؛ فقد عمل مدرساً وخطيباً وواعظاً في سنوات مبكرة، ثم انتقل إلى سلك القضاء، فارتقى في مراتبه حتى تولى رئاسة محاكم الموصل، ثم عاد إلى بغداد رئيساً لهيئة التفتيش العدلي، بعد أن شغل منصب مدير الإدارة القانونية في جامعة الدول العربية بالقاهرة، وهو موقع يعكس الثقة بكفاءته القانونية على المستوى العربي.
وكانت الحرب العالمية الأولى محطةً أخرى في حياته، إذ شارك في صفوف الجيش العثماني سنة 1914 في حملة بلاد الرافدين، ثم انسحب مع القوات إلى الموصل بعد سقوط بغداد، ونال وسام الحرب تقديراً لخدمته، قبل أن يُسرّح مع إعلان الهدنة سنة 1918، ليعود إلى بغداد وقد ازدادت تجربته اتساعاً وعمقاً.
ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة، برز دوره في الحياة العامة، فكان من المساهمين في تأسيس المعهد العلمي العراقي سنة 1922، وانتُخب عضواً فيه، كما شارك في عدد من الجمعيات المدنية مثل جمعية حماية الأطفال وجمعية الشبان المسلمين، وانتخب عضواً في مجلس أمانة العاصمة سنة 1928. وفي المجال السياسي، أسهم في تأسيس حزب العهد، وانتُخب نائباً عن الحلة في مجلس النواب لدورتي 1930 و1939، وظل فاعلاً في العمل النيابي حتى حل المجلس.
ولم تكن نشاطاته محصورة داخل العراق، بل شارك في مؤتمرات عربية عدة في القدس وبلودان والقاهرة، وكان عضواً في الوفد العراقي إلى مؤتمر بلودان سنة 1937، وكذلك في المؤتمر البرلماني العربي في القاهرة، في دلالة على حضوره العربي واتصاله بقضايا أمته.
وقد حظي بتكريم رسمي، فمنح ميدالية الحرب ووسام الرافدين من الدرجة الثالثة، تقديراً لخدماته وكفاءته، وهو تكريم لم يكن إلا انعكاساً لمسيرة حافلة بالعطاء.
أما في ميدان الأدب، فقد كان إبراهيم الواعظ أديباً مجيداً، جمع بين النثر الرصين والشعر المتين، واعتمد في أسلوبه على بلاغة التعبير وقوة التصوير، حتى عُدّ من الشعراء المجددين في إطار القصيدة العمودية، إذ ظل محافظاً على الوزن والقافية، لكنه بثّ في نصوصه روحاً وجدانية متوقدة، ولا سيما في شعره الغزلي الذي يعكس عاطفة مشبوبة وحساً إنسانياً رقيقاً.
ترك الواعظ تراثاً غنياً، توزّع بين المطبوع والمخطوط، ففي مؤلفاته المطبوعة نجد نزوعه إلى التأريخ للشخصيات الإسلامية في كتابه “خريجو مدرسة محمد”، واهتمامه بالحياة العامة في “أسبوعياتي”، وحرصه على توثيق نسبه في “الروض الأزهر”، فضلاً عن مساجلاته الأدبية في “المساجلات الموصلية”، وغيرها من الكتب التي تكشف عن عقل موسوعي.
أما مخطوطاته، فهي عالمٌ آخر من التنوع، إذ كتب في التاريخ والأدب والتحقيق والسيرة، وترك مسرحيتين شعريتين، هما “الزباء” و“فتح مصر”، كما تناول شخصيات تاريخية وأدبية عديدة، وكتب في التفسير والتاريخ الإسلامي، ودوّن مشاهداته وتأملاته، حتى بدا وكأنه يسعى إلى الإمساك بكل ما يمر به الزمن من وقائع وأفكار.
وفي الثامن من تموز سنة 1958، أسلم إبراهيم الواعظ روحه في بغداد، المدينة التي شهدت ذروة عطائه، ودُفن في مقبرة الغزالي، تاركاً وراءه سيرة رجلٍ لم يكن واحداً في مجاله، بل كان تعدداً في شخصٍ واحد: محامياً بارعاً، وقاضياً نزيهاً، وسياسياً فاعلاً، وأديباً يفيض بياناً.
وهكذا، يظل إبراهيم الواعظ واحداً من أولئك الذين صنعوا لأنفسهم حضوراً في أكثر من ميدان، فكان جسراً بين عصور، وصوتاً من أصوات العراق التي جمعت بين أصالة التراث وتطلعات النهضة.