نَوْرُوزُ.. عِيْدُ الانْعِتَاقِ وَتَجَدُّدِ الحَيَاةِ
نَوروزُ.. انْبِلاجُ السَّنا وَتَرَفُّلُ الإِيْبَار
إِذَا مَا انْجَابَتْ دَيَاجِي الشِّتَاءِ القَرِيِّ، وَتَقَشَّعَتْ عَنْ جِيْدِ الكَوْنِ مَطَارِفُ الزَّمْهَرِيرِ، وَافَى «النَّورُوزُ» مُتَهَادِيًا فِي غَلائلِ النُّورِ، كَأَنَّهُ مَلِكٌ يَسْتَرِدُّ عَرْشَهُ المَسْلُوبَ مِنْ غَيَاهِبِ العَدَمِ. هُوَ مِيْقَاتٌ لا تَكْمُنُ كُنْهِيَّتُهُ فِي رَصْدِ الأَفْلاكِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ اسْتِحَالَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَنْتَفِضُ فِيهَا الأَرْضُ مِنْ هَمْدَتِهَا، لِتَنْبَثِقَ مِنهَا عَذَارَى النَّبَاتِ رَافِلَةً فِي حُلَلِ الخُضْرَةِ النَّضِرَةِ.
وَلَيْسَ النَّورُوزُ فِي مِخْيَالِ الأُمَمِ إِلَّا انْعِتَاقًا مِن رِبْقَةِ «الضَّحَّاكِ» وَظُلْمَتِهِ، حِيْنَ هَبَّ «كَاوَه الحَدَّادُ الكُورْدِيُّ» بِمِطْرَقَتِهِ اليَقِظَةِ، لِيَفُضَّ غِلَالَ الجَوْرِ وَيَصْرَعَ الطَّاغِيَةَ الظَّلُومَ، مُعْلِنًا أَنَّ لَيْلَ الظُّلْمِ مَهْمَا ادْلَهَمَّ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَجْرٍ يَبْلُجُ بِيَدِ الأَحْرَارِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ العَهْدِ السَّحِيْقِ، غَدَتْ «نِيْرَانُ نَوْرُوزَ» الَّتِي تَتَلأْلأُ عَلَى «شَوَاهِقِ جِبَالِ كُورْدِسْتَانَ» مَنَارَاتٍ لِلظَّفَرِ، وَأَلْسِنَةً مِن لَهَبٍ تُحَاكِي الشَّمْسَ فِي عُلُوِّهَا، لِتُزِفَّ لِلآفَاقِ نَبَأَ النَّصْرِ المُبِيْنِ فِي «يَوْمِ الحُرِّيَّةِ» الأَغَرِّ.
إِنَّهُ عِيْدٌ تَتَجَلَّى فِيهِ عَرِاقَةُ الشَّعْبِ الكُورْدِيِّ وَتَقَالِيْدُهُ الضَّارِبَةُ فِي عُمْقِ التَّارِيخِ؛ حَيْثُ تَمْتَزِجُ بَهْجَةُ النُّفُوسِ بِزِينَةِ الأَرْضِ، فَيَخْرُجُ القَوْمُ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا، مُتَسَرْبِلِيْنَ بِـ «أَزْيَائِهِمُ القَوْمِيَّةِ» الزَّاهِيَةِ الَّتِي تَحْكِي أَلْوَانُهَا قِصَّةَ الرَّبِيْعِ، وَتَتَشَابَكُ الأَيْدِي فِي رَقَصَاتٍ جَمَاعِيَّةٍ تُجَسِّدُ وَحْدَةَ الصَّفِّ وَتَرَاحُمَ القُلُوبِ. هُنَاكَ، بَيْنَ أَحْضَانِ الطَّبِيْعَةِ الغَنَّاءَ، تُنْصَبُ مَوَائِدُ الكَرَمِ، وَتَعْلُو الأَهَازِيْجُ الَّتِي تُمَجِّدُ الأَرْضَ وَالإِنْسَانَ، لِيَبْقَى نَوْرُوزُ عَهْدًا يَتَجَدَّدُ كُلَّ عَامٍ، وَتَعْوِيذَةً ضِدَّ الفَنَاءِ، وَمَنْهَجًا فِي الصَّبْرِ وَالاسْتِعْلَاءِ عَلَى مَكَارِهِ الدَّهْرِ.
الأستاذ محمد درويش(أبو عزّام ) الموسى رشي