بين يقين العقيدة ومنطق الهيمنة

سمير السوره ميري

يقوم الصراع العقائدي في جوهره على سرديات تُشكل الهوية وتمنح الفعل بُعدا رساليا، إذ يتحول أي تهديد يوجه إليه إلى تهديد للوجود نفسه، لا مجرد تعارض في المصالح، وفي المقابل منطق القوة بوصفه أداة لفرض الإرادة وتحقيق المصالح وفق حسابات واقعية، وهكذا يبتدئ الصراع كونه مواجهة بين معنى يُراد له أن يكون مطلقا، وبين قوة تمارس للإخضاع الواقع وتوجيهه.

تمنح العقيدة الصراع ثنائية الحق والباطل، وتضفي عليه شرعية أخلاقية تستمدها من الإيمان الثابت، أما القوة فتوفر القدرة على الفعل فرضا وردعا وتأثيرا، لكنها تتميز في هشاشة الالتزام وضعف الحافز المعنوي، غير أن التجربة التاريخية تُظهر أن العقائد وحدها لا تحسم الصراعات، كما أن القوة وحدها لا تصنع اِنتصارا دائما، بل تاريخ سلسلة من موجات الصعود والانحسار، يتداخل فيها الإيمان بالمصلحة، والمبدأ بالقدرة.

الطرف العقائدي يرى نفسه حاملا للحقيقة، يستمد شرعيته من اليقين الراسخ، ويتميز بصلابة نفسية واِستعداد عال للتضحية، فضلا قدرته على التعبئة والاستمرار، لكنه يعاني من صعوبة التنازل، ولا يقبل الحلول إلا بوصفها تكتيكا مرحليا، وعلى الضفة الأُخرى يتحرك الطرف القائم على القوة وفق منطق المصلحة والتوازنات، فيمتلك مرونة عالية ماديا وتقنيا، لكنه يظل عرضة لهشاشة الالتزام وضعف الحافز المعنوي على المدى البعيد.

ومنذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو يعيش هذا التواتر بين ما يؤمن به وما يقدر عليه، بين العقيدة وبوصفها يقينا يمنح الوجود معنى، والقوة بوصفها أداة لتحقيق الغلبة، صراع لا يفضي إلى حسم نهائي، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة عبر الزمن.

في هذا السياق يرى فريدك نيتشه أن الإنسان يسعى إلى فرض “حقيقته” بوصفها تجليا لإرادة القوة، بينما يحذر كارل بوبر من خطر “المجتمع المغلق” الذي يُقضي الآخر باسم لامتلاك الحقيقة المطلقة، أما الرؤية الإسلامية، يقر بأن القوة المطلقة لله وحده، وما يملكه الإنسان نسبي، وإن توهم اِمتلاكها تحول ذلك إلى طغيان واِنحراف عن العدل.

وفي عالم تتصاعد فيه صراعات المعنى والقوة، تبرز الحاجة إلى وعي جديد يُعيد العلاقة بينهما، ويحد من الانزلاق إلى صراعات لا عقلانية تفرضها قوة عمياء بلا ضوابط، التوازن هو ما يصنع الاِستقرار ويمنح الإنسان القدرة على الاستمرار في العيش بسلام.

قد يعجبك ايضا