العيد… حين يمرّ عبر الألم.

تزرين يعقوب سولا

تطلّ الأعياد هذا العام، والعالم مثقلٌ بما لا يُحتمل؛ حروبٌ مفتوحة، خساراتٌ لا تُحصى، وأرواحٌ تُزهق كأنها أرقام. أبرياء يدفعون الثمن، لا لذنبٍ اقترفوه، بل لأنهم وُجدوا في المكان الخطأ، في زمنٍ اختلّ فيه ميزان الرحمة.
وفي خضمّ هذا المشهد، ينهض السؤال موجعًا: أليس هذا الكون متّسعًا للجميع؟ أليس في الأرض ما يكفي لنعيش دون أن نؤذي بعضنا، مهما اختلفنا؟
ما الذي حدث حتى صار الضمير صوتًا خافتًا، أو غائبًا؟
أهو الظلم حين يتجذّر؟ أم القهر حين يُورّث؟ أم المصالح حين تعلو فوق كل شيء؟
مدنٌ تُطفأ أنوارها، لا لأن الليل حلّ، بل لأن الحياة انسحبت منها. بيوتٌ تُهدم فوق ساكنيها، لا تحمل معها الجدران فقط، بل الذكريات والأمان. أطفالٌ يُحرمون من أبسط حقوقهم: أن يفرحوا، أن يطمئنّوا، أن يعيشوا طفولتهم دون خوف.
في عالمٍ كهذا، يصبح الفرح سؤالًا صعبًا.
كيف يمكن للإنسان أن يحتفل، بينما كرامة الإنسان تُنتهك في أكثر من مكان، وبأكثر من ذريعة؟ كيف نرتدي العيد، وهناك من لا يجد ما يستر ألمه؟
لكن، رغم كل هذا، لا يأتي العيد ليكون غريبًا عن هذا الألم، ولا ليغضّ الطرف عنه. بل لعلّه يولد من قلبه. العيد ليس انفصالًا عن الوجع، بل محاولة لتحويله، لتخفيف حدّته، ولإعادة شيءٍ من التوازن إلى روحٍ أنهكها الحزن.
أن نفرح في مثل هذه الظروف لا يعني أننا بلا إحساس، بل يعني أننا نرفض أن نفقد إنسانيتنا. الفرح هنا ليس ترفًا، بل موقف. أن نبتسم رغم كل شيء، أن نُشعل نورًا صغيرًا في عتمةٍ واسعة، أن نمدّ يدًا لمحتاج، أن نقول كلمة طيبة في زمنٍ قاسٍ… كل ذلك ليس هروبًا، بل مقاومة.
العيد، حين يُفهم بهذا الشكل، يتحوّل من مناسبةٍ عابرة إلى فعلٍ أخلاقي.
هو دعوة لأن نكون أكثر رحمة، أكثر وعيًا، أكثر قربًا من بعضنا. أن نُدرك أن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يكون مشتركًا، وأن الألم، حين نتقاسمه، يصبح أخفّ.
ربما لا نستطيع إيقاف الحروب، ولا إعادة ما فُقد، لكننا نستطيع ألّا نكون جزءًا من القسوة. نستطيع أن نحفظ ما تبقّى من إنسانيتنا، وأن نُبقي على معنى العيد حيًّا: معنى أن يكون الإنسان للإنسان.
في النهاية، العيد ليس يومًا بلا ألم، بل يومٌ نتعلّم فيه كيف نُصالح الألم، وكيف نُحيطه بشيءٍ من النور…..
کل عام والانسانية بألف خير.

قد يعجبك ايضا