د. إبراهيم قهوايحي:
لعل بدل رفو المزوري يعدّ واحدًا من أبرز الأصوات الثقافية الكردية التي تجاوز تأثيرها حدود الجغرافيا، فهو يجمع بين الشعر والترجمة والرحلة لصناعة جسور إنسانية تمتد من البعد الإقليمي المحدود لكردستان إلى البعد العالمي المفتوح، ومن خلال عطائه المتنوع، أصبح بحق سفيرًا ناعمًا لوطنه، يحمل قضيته وثقافته في أنساغ الفن والكلمة الشعرية الراقية المنفتحة والرحلة الممتدة.
لقد أدرك المزوري منذ بداياته أن الثقافة هي الأعمق أثرًا من السياسة، وأن القصيدة يمكن أن تفعل ما لا تفعله الخطب السياسية الجوفاء؛ فشعره يعكس هوية كردستان بتاريخها وأحلامها ومعاناتها، التي يقدمها بلغة إنسانية شفافة يفهمها القارئ أينما كان. لم تكن قصائده مجرد نصوص أدبية، بل كانت نوافذ تطل على روح شعبٍ يعشق الحرية والحياة، ولم تكن ترجماته صفحات خبر فقط، بل كانت تلاقحا وتناسجا ثقافيا بين ثقافته الأصلية والثقافات الأخرى، ولم تكن رحلاته مجرد زيارات لأماكن وأمصار، بل كانت لوحات ثقافية غنية بألوان الحضارات وامتداد الإنسان؛ حيث يعيد إلينا بدل في رحلاته معنى أن تكون الرحلة بحثًا عن الذات في وجوه الآخرين، معنى أن نكون الرحلة بحثا عنّا وعن الإنسان فينا..
سلام على هذا الشاعر الذي جعل من الكلمة وطنًا، ومن الترجمة رسالة، ومن الرحلة صلاةً للجمال.
سلام على بدل رفو الوري، الذي علمنا أن الأدب لا يُكتب بالحبر فقط، بل يُكتب بالمحبة، بالرحلة، وبالدهشة الأولى أمام العالم، لذلك، في حضرة الرحلة صار بدل اسما وجسرًا بين القارات، وصدىً بين اللغات، وأيقونة بين الثقافات والحضارات، ونافذةً مشرعة على الجمال الإنساني، يمضي في دربه رحّالة يحمل في قلبه خريطة وطنا كورديستانيا عراقيا، وفي قلمه بوصلة الرحلة، وفي روحه عطشا دائمًا نحو المعرفة والنور والجمال.
في رحلاته العديدة إلى أمكنة وأمصار مختلفة من العالم ينسج بدل رفو حياته قصصا وذكريات وحكايات وأحلام، كي يرتاح من نصب الألم، فتحمله الذكريات إلى أراضي رحلاته، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. وبالرحلة يحتضن الإنسان والطبيعة والثقافة والحضارة، وتكثر مصادفاته أيضا للمفتونين بالسفر والاكتشاف وهلم جمالا، ما يثري مخزونه الإنساني وتجاربه الحياتية الخصبة ورحلاته الغنية الباحثة عن مواطن الجمال والمًصَدّرة بقضايا وطنه. هكذا يرحل ويسافر ويهاجر كالسندباد، على سفح جبل أو ضفاف نهر، أو بين أرصفة مدن راقية أو حواضر مزقها الفقر والجوع وتسيدها الحرمان؛ حيث لقاءه بأطفال يتامى عراة يفترشون الثرى، ويحلمون بالرغيف.
حين التقيت بدل منذ عشرين سنة تقريبا بمكناس في إحدى رحلاته إلى المغرب، وجدته شخصا بشوشا، متواضعا، مرهق الإحساس ومتواضعا، وأدركت أن الرحلة لديه وسيلة إشباع نهمه للمعرفة واكتشاف حيوات ثقافية أخرى، ووسيلة إشباع نهمه في اقتناء في التعرف على الإنسان، والتعرف على جغرافياته وثقافاته وتاريخه وحضارته… هكذا أسميته سابقا” سفير الأدب الكردي”، والآن أسميه” سفير كوردستان الناعم بامتياز.
هو ابن الجبل والندى كما حالتي، يجمع بين نقاء البدايات ودهشة الاكتشاف، بين عمق الكلمة وبساطة الإنسان، لذلك تنساب الموسيقى في شعره كجدول من ذاكرة الطفولة، وفي ترجماته تنبض الحياة من جديد، إذ لا يترجم النصوص فحسب، بل يترجم روح الإنسان في كل ثقافة.
في حضرة الشعر، يتقدّم بدل رفو الوري كمن يفتح نوافذ الضوء على جبال كوردستان والعالم، يجعل من الكلمة جناحًا، ومن الرحلة قصيدة، ومن الترجمة عبورًا بين أرواح الشعوب.
هو ابن الينابيع الأولى، حيث اللغة تنمو مثل زهرة برّية، وحيث الحلم لا يعرف حدودًا ولا قيودًا.
بدل رفو ليس مجرّد شاعرٍ يكتب، بل إنسان يرى العالم بقلبه أوّلًا. يحمل حقيبته كأنها ديوان قصائد، وفي كل مدينة يترك سطرًا من ذاته، وفي كل لقاء يزرع وردة من لغته. ترجم الجمال من لسانٍ إلى آخر، ولم يترجم يومًا إنسانيته، لأنها ببساطة لغة مشتركة بين كل القلوب.
قصائده لا تنتمي إلى زمنٍ محدّد، فهي تضيء مثل قنديل ليل غرباتنا، وتغني بلغات الأرض عن كوردستان، عن الإنسان، عن الحنين، عن العدل، وعن الحلم الذي لا يموت، وعنّا..
حين نذكر بدل رفو الوري، فإننا لا نتحدث عن شاعرٍ واحد، بل عن عالمٍ من الجمال. هو الشاعر الذي حمل كوردستان في قلبه، وجال بها في لغات الأرض، فصار صوتًا كوردستانيًّا إنسانيًّا عالميًّا في آنٍ واحد.
بدل رفو لا يكتب القصيدة وحسب، بل يعيشها في تفاصيل يومه؛ في رحلاته، في صداقاته، في عينيه اللتين تلتقطان المعنى من كل مشهدٍ يمرّ به. ترجم الشعر من لغاتٍ كثيرة، لكنه لم يترجم إنسانيته، لأنها ببساطة لغة لا تحتاج ترجمة.
من مدينة إلى أخرى، ومن لغة إلى أخرى، ظل بدل رفو ساعي محبة وسلام، يزرع في القلوب معنى التلاقي، ويجعل من أدبه مرآةً للكرامة الكوردية والإنسانية معا.
سلام عليك يا صديقي الأولي، وأنت تمضي بين اللغات كطائر يعرف أن السماء وطن للجميع، وأن الشعر – كما تؤمن -:”ليس كلماتٍ تُقال، بل حنينٌ يُترجم إلى ضوء.”
يا بدل رفو، لقد جعلت من السفر مدرسةً، ومن الترجمة رسالةً، ومن الشعر جسرًا نحو التفاهم والمحبة.
في حضورك نتعلم أن الكلمة لا تنحني، وأن الحلم لا يشيخ، وأن الشاعر الحقيقي هو من يحمل وطنه في قلبه أينما حلّ.
تحية لك أيها الشاعر والرحّالة، أيها الحالم الذي يرى العالم من نافذة الروح قبل أن يراها من نوافذ الطائرات.
دمتَ قنديلًا يضيء طريق الشعر، وسفيرًا للجمال الإنساني في كل مكان.