كثيراً ما يختبئ النمر في غابة الشعر والأدب

نوزاد جعدان جعدان

لطالما ما استحضر النمر في الشعر العربي الكلاسيكي لرمزيته الواضحة في القوة والشجاعة. فالشعراء، على سبيل المثال، كانوا يصفون أنفسهم وأبطالهم بأنهم “نمور” ليبرزوا شجاعتهم وقدرتهم على التغلب على الصعاب. هذا التمثيل يمكن رؤيته في أسماء بعض الشعراء القدامى النمر بن تولب وشيبان بن دثار النمري.

والنمر حيوان انعزالي يعيش بمفرده، ولا يلتقي الذكر بالأنثى إلا في موسم التزاوج، وينفصلان بعد ذلك. ومعظم نشاطه ليلاً وربما لهذا السبب قلت مشاهداته، فقل وجوده في الشعر، وإن ذكر فهو رمز للقوة والبطش. أما صوته عند الغضب يسمى الزمجرة وعند الاسترخاء والراحة فيسمى الهرير والغطيط والخرير. مع العصر الحديث ظهر مصطلح التنمر ليدلل على سوء المعاملة والتوحش فيها وكذلك إسباغ صفات النمور على الأشخاص من كمال المدح. عيون النمر (طحلاء)، وأن طعامهم يتناوبون عليه لأن النمر لا يأكل فريسته كاملة، يقول مؤلف كتاب ” حياة الحيوان الكبرى” كمال الدين الدميري في وصف النمر ” أما النمر وهو أخبث من الأسد، لا يملك نفسه عند الغضب حتى يبلغ من شدة غضبه أن يقتل نفسه “.

كذلك استفادت الأمثال الشعبية من صورة النمر في التعبير عن الحكمة المستخلصة من الطبيعة، فعلى سبيل المثال:
“The Leopard can’t change his skin “معناه الحرفي أن النمر لا يستطيع تغيير جلده، ولكن يقصد به أن الإنسان لا يغير من طبعه فالطبع غلاب إشارة إلى الثبات على الطبع والصفات، كما يشير أيضا إلى أن الشخص الذي يكون قوي الطبع لا يتغير بسهولة.

في كتاب كليلة ودمنة للفيلسوف الهندي بيدبا والذي نقله إلى العربية ابن المقفع يذكر مقطع عن النمر يصفه فيها إذ تقول الحكاية ” إنّا وجدنا في كتب خبر دمنة أن الأسد لما قتل شتربة ندم على معالجته بالقتل وتذكر حرمته. وكان من جنود الأسد وقرابته نمر كان من أكرم أصحابه عليه، وأخصّهم عنده منزلة، وأطولهم به خلوة بالليل والنهار. وكان الأسد بعد قتله شتربة يطيل مسامرة أصحابه ليقطع عنه بحديثهم بعض ما قد داخله من الكآبة والحزن بقتله الثور. وإن النمر لبث في سمره ذات ليلة حتى مضت هدأةٌ من الليل. ثم خرج من عنده منصرفاً إلى منزله. وقد كان منزل كليلة ودمنة قرب منزل الأسد، فدنا النمر من منزلهما ليصيب قبساً يستضيء به وكانا مترافقين. فسمع النمر محاورتهما ونصت لهما حتى سمع كلامهما كله، ووجد كليلة قد أقبل على دمنة يعذله ويقبّح له رأيه وفعله، ويُعظّم له جرمه ويوبّخه بغدره. وكان فيما أنبه به أن قال: إن الذي هيّجت بين الأسد والثور من العداوة بعد المودة والفرقة، بعد الألفة والشحناء، بعد السلامة بسخافة عقلك، وقلة وفائك لمظهر أمرك، ومطلع طلعه، ولازمك من بغيه ما تستوبل عاقبته وتستمر مذاقته. فإن الغدر وإن لان عاجلُه واستحليت فروعه مرّ العاقبة بعيد المهواة وخيم المزلقة، وإني باجتنابك وترك مقارنتك والاقتداء بك لحقيق، فلست بآمن على نفسي من معرّتك وشرهك وغدرك….. فلما سمع النمر ذلك من كلامهما انصرف خفيّاً مسرعاً حتى دخل على اللبوءة أم الأسد فأخذ عليها عهداً ألا تفشي سرّه إلى الأسد ولا إلى غيره. فعاهدته على ذلك فأخبرها بالقصة على وجهها من قول كليلة وإقرار دمنة.”

ولا غرو أن نرى الكاتب الارجنتيني خورخي لويس بورخيس يحب النمور وحلم بها منذ صغره حتى تساءل بحسرة “لماذا لم نُخلق كلنا نمورا ؟!!” لذلك كانت وثبته على ميراث الأدب الإنساني وثبة رشيقة وضارية كوثبة نمر جائع على فريسة انتهكت مجاله المحظور بغتة، وصدر قبل عدة أعوام عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات كتاب شعري بعنوان «النمر الآخر.. خورخي لويس بورخيس»، ترجمة الشاعر المصري الراحل محمد عيد إبراهيم.

ولم يغفل الأدب عن استخدام النمر كرمز، ولكنه قد يتوسع في الدلالات ليشمل أيضًا فكرة النضال والصراع، سواء كان صراعًا اجتماعيًا أو فرديًا. فالنمر قد يمثل الفرد الذي يقاوم الظلم أو المجتمع الذي يسعى لتحقيق العدالة.

في الروايات الحديثة، قد يظهر النمر كشخصية رمزية معقدة، قد يرمز إلى قوة الطبيعة أو قوة الإنسان الكامنة. يمكن أن نرى هذا في الأعمال التي تستلهم من التراث العربي وتعيد تقديمه في سياقات معاصرة، فالنمر في الأدب العربي يحمل معاني غنية ومتنوعة، تعكس رؤية العرب للطبيعة والحياة والصفات الإنسانية. استخدامه عبر العصور يُظهر كيف يمكن للرموز الحيوانية أن تكون أدوات فعالة للتعبير عن القيم والمفاهيم المختلفة في الأدب.

كما يُعد أيضًا رمزًا قويًا وله دلالات متعددة تتنوع بين الشجاعة والقوة والغموض والخطر. ظهوره في الأدب الغربي يمكن أن يُتَتَبَّع عبر العديد من النصوص الأدبية والشعرية والروائية، حيث يُستخدم لتعميق الفهم النفسي للشخصيات أو لتجسيد صراع الإنسان مع الطبيعة أو مع نفسه.

واحدة من أشهر القصائد التي تتناول النمر هي قصيدة “النمر” للشاعر الإنجليزي ويليام بليك، التي نُشرت في مجموعته الشعرية “أغاني الخبرة” عام 1794. في هذه القصيدة، يعبر بليك عن النمر كرمز للغموض والقوة المدمرة للطبيعة، ويطرح أسئلة فلسفية عن الخلق والوجود: النمرُ! النمر! أيها القط البري /يا من تشتعلُ بهاءً/في الغاباتِ الليلية/أي أيد ٍ وعيون ٍ أبدية/ شكلت هذا الجمال البري/ في عذوبة ٍ وعفوية؟

من أشعلَ النارَ/ في تلكَ العيون ِ العسلية؟ وبأي أعماق ٍ أو سماواتٍ علوية/ شكلت هذا الجمال/ وأي جناح ٍ يجرؤ أن يتمنى أو يختار/ وأي يد ٍ يمكنها أن تصطاد النار؟..

كما يظهر كرمز للقوة والمقاومة، في رواية “حياة باي” للكاتب الكندي يان مارتل، يُمثل النمر، الذي يحمل اسم “ريتشارد باركر”، تحديًا كبيرًا للبطل ويساهم في تطوير قصة البقاء على قيد الحياة في عرض البحر. النمر في هذه الرواية ليس مجرد حيوان مفترس، بل يُعبر عن النضال الداخلي للبطل وعن الصراع بين الإنسان والطبيعة.

النمر في الثقافة الشعبية الغربية يظهر أيضًا في الكتب والأفلام والقصص المصورة. على سبيل المثال، في سلسلة الكتب المصورة “كالفن وهوبز” للكاتب بيل واترسون، يكون هوبز هو النمر المحشو الذي يرافق كالفن في مغامراته ويعكس جوانب من خيال الطفل ورؤيته للعالم.

في بعض النصوص الفلسفية، قد يُستخدم النمر لتقديم تأملات حول طبيعة الحياة والقوة والبقاء. يمكن أن يمثل النمر التحديات الوجودية التي يواجهها الإنسان ومحاولته للتغلب عليها.

في الشعر النبطي يحمل النمر دلالات قوية ومشابهة لتلك الموجودة في الأدب العربي الكلاسيكي، حيث يُعتبر رمزًا للشجاعة والقوة والجرأة. الشاعر قد يشبه نفسه أو غيره بالنمر ليبرز القوة والإقدام، في الحروب والمعارك، يمكن أن يكون النمر رمزًا للمحارب القوي الذي لا يُهزم، كما يُستخدم أيضًا للإشارة إلى السيطرة والهيبة، حيث يعبر عن القوة والقدرة على فرض النفوذ إضافة إلى أنه من الممكن ان يكون رمزًا للرجل القوي في قبيلته أو المجتمع.

في السينما ظهرت عدة أفلام تحمل اسم النمر أو تشبيه البطل بالنمر كما في الفيلم المصري النمر من إنتاج عام 1952، وبطولة أنور وجدي ونعيمة عاكف وزكي رستم وفريد شوقي، وإخراج وإنتاج حسين فوزي الذي يحكي عن درويش هو عامل بكازينو، يبدو رجلاً طيبًا في الظاهر، لكنه في الأصل رئيس عصابة لتهريب المخدرات تحت اسم حركي هو “النمر”، ويتصرف بوحشية مع رجاله وخصومه، يُكلف صلاح الشرطي بمهمة معرفة حقيقة النمر فيتنكر بمهنة صحفي ويتردد على الكازينو ويقع في غرام فاتن ابنة النمر، هناك فتاة أخرى هي هدى تعمل بالصالة، يحاول أخو هدى يحيى إبلاغها بحقيقة النمر، إلا ان هذا الأخير يقوم بقتله، وتسعى هدى لكشف حقيقة النمر انتقامًا لأخيها، فتحاول الانتقام لأخيها من النمر.
وأيضا جرى استحضار صورة النمر في فيلم النمر والأنثى من بطولة عادل إمام، وآثار الحكيم، من تأليف إبراهيم الموجي ومن إخراج سمير سيف عام 1987.

وبعيدا عن الأدب وملاعب الفن إلى الساحرة المستديرة حيث يلقب النجم الكولومبي فلادمير فالكاو بالنمر نظرا لشراسته في الهجوم وبنيته القوية.

قد يعجبك ايضا